Nombre total de pages vues

lundi 13 avril 2026

أدبية النوع الروائي The literariness of the novel as genre

 أدبية النوع الروائي

The literariness of the novel as genre

أ.د. رياض بن يوسف Riad Benyoucef

مجلة الدراسات الثقافية واللغوية والفنية، المركز الديموقراطي العربي، برلين، ألمانيا، العدد38، كانون الأول، ديسمبر، 2025 المجلد 9 

ملخص:

أثارت الرواية -بوصفها فنا أدبيا سرديا- إشكالا مزمنا في النقد المعاصر، فرغم الوضوح النسبي لمفهومها في ذهن المتلقي، إلا أنها في الواقع قد أثارت ولا زالت تثير سجالات نقدية حول تعريفها الدقيق وتجنيسها بسبب تنوع مواضيعها وتقنياتها وأساليبها. ما نسعى إليه في هذا المقال هو اقتراح تعريف للرواية انطلاقا من محدداتها الدنيا وهي الأدبية بمختلف تجلياتها والسرد بوصفه تقنية لا نوعا.

وقد حاولنا رصد الحدود الدنيا للأدبية فوجدناها تتلخص إجمالا في المفارقة الزمنية، والتغريب، واللامرجعية، والتوتر السردي.

أما السرد -باعتباره أهم مكونات الرواية- فقد تناولناه بوصفه تقنية تقوم على الإخبار بواقعة أو سلسلة من الوقائع تتميز بالاتساق السببي-المنطقي. وانطلاقا من هذين المحددين، أي الأدبية والسرد، حاولنا تقديم تعريف للرواية.

الكلمات المفتاحية: الرواية، الأدبية، السرد، التغريب، اللامرجعية.

Abstract:

Modern criticism has grappled with the notion of the novel as a literary genre. Despite numerous attempts at definition, the concept of the novel remains ambiguous due to the wide variety of its themes, techniques, and styles. To overcome these challenges, scholars first sought to explore a key concept common to all literary genres: literariness. This approach aimed to identify and highlight the core elements of this concept, namely: anachronism, singularization, non-referentiality, and narrative tension.

 

Secondly, the narrative was examined as a pure technique, encompassing the act of presenting a sequence of events that are causally and logically connected. By combining these two concepts — literariness and narrative — we attempted to formulate a definition of the novel as a literary genre.

Keywords: novel, literariness, narrative, singularization, non-referentiality.

                                                                                                         

 

 

مقدمة:

تثير الرواية، بوصفها نوعا أدبيا وليدا، إشكالات تتعلق بتعريفها الدقيق وتجنيسها باعتبارها نوعا أدبيا نثريا شديد الثراء، حيث تتعدد موضوعاتها وتقنياتها وأشكالها التعبيرية، مما جعل الاتفاق على تعريف واحد جامع لها أمرا يقرب من الاستحالة. لكن الصعوبة الشديدة التي تعترض الباحث في النوع الروائي حين يجابه مثل هذه القضايا ينبغي أن تكون حافزا له لمحاولة اقتناص أهم محددات الرواية بوصفها نوعا أدبيا، وهذا يقودنا إلى معيار أساسي ومحدد جوهري، ربما غفلت عنه بعض الدراسات الحديثة لانشغالها المفرط بتصنيف الرواية على أساس موضوعاتها لا بنيتها الجمالية، هذا المحدد المهمش هو المحدد الأدبي أو الأدبية باعتبارها الحد الفاصل بين النثر الروائي وبقية أنواع النثر غير الأدبية كالمقال الصحفي او المؤلفات التاريخية مثلا.  وثمة بلا شك محدد تقني آخر -يضاف إلى المحدد الجمالي أي الأدبية- هو السردية، فالسرد باعتباره تقنية مشتركة بين الرواية وأنواع أخرى من النثر غير الأدبي كالتاريخ والخبر الصحفي، هو محدد أساسي من محددات الرواية.

إن ما نسعى إليه عبر مقالنا هذا هو الإجابة عن سؤالين محوريين، وهذه الإجابة المنشودة من شأنها رفع اللبس عن تعريف الرواية وتجنيسها:

-         ما هو مفهوم الأدبية عامة، وأدبية السرد الروائي خاصة؟

-         ما هو السرد بوصفه محددا من محددات النوع الروائي؟

 

1. مفهوم الأدبية:

أول من اقترح "الأدبية" بصفتها الاصطلاحية هو "رومان جاكوبسون" Roman Jakobson، وإن كان ذلك في سياق حديثه عن الشعر:

 "الشعر هو اللغة في وظيفتها الجمالية. وعليه فموضوع علم الأدب ليس هو الأدب ولكنه الأدبية La littérarité أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا" (Jakobson, 1977, p. 16)

 ويسخر "جاكوبسون" من مؤرخي الأدب الذين يشبههم بالشرطة التي -في سبيل القبض على شخص ما- تحتجز عشوائيا كل ما تجده في المنزل، وكذلك الأشخاص الذين يعبرون الشارع.  (Jakobson, 1977, p. 16)

لكن المفهوم ظل إشكاليا، متملصا من التحديد، وربما كان السبب هو ضخامة المادة الأدبية، وتعدد تقنياتها ودلالاتها وأشكالها عبر التاريخ، وبالتالي تعدد تعريفاتها.

وعامل "اللاتحديد" في الأدب يكمن حسب "أدريان مارينو" في ثلاثة أمور: 1- استحالة الجرْد الكلي(يقصد "مارينو" بذلك استحالة إحصاء وتصنيف جميع الأعمال الأدبية العالمية منذ البداية إلى اليوم. ) 2- المادة اللفظية ذات التعدد المعنوي شبه اللانهائي 3- التعبير اللفظي المستمر إلى الآن. (Marino, 1988, p. 312)

حتى "جاكوبسون" نفسه، وهو من وضع المصطلح، لم يُسَلِّم -حسب ما يقول "توماس آرون" Thomas Aron- بوجود خصيصة عامة، عالمية تصلح لأي نص أدبي، وقد اعترف بعض الشكلانيين بأن ما هو واقع أدبي في عصرٍ، سيُصبح ظاهرة لسانية تعود إلى الحياة الاجتماعية في عصر آخر. (Aron, 1984, p. P 19) وربما ذكَّرَنا مثلُ هذا الكلام بارتحالات مفهوم الأدبية في تاريخ الشعر العربي، فما كان لصيقا بمفهوم الجمالية الشعرية في عصر الصنعة البديعية لا علاقة له بالمفهوم الإحيائي، وهذا الأخير لا يحقق أدنى شروط الأدبية في المنظور الشعري الحداثي.

 

1.1. المفارقة الزمنية:

    رغم ضبابية مفهوم الأدبية، فإن هذا لم يمنع النقد المعاصر من ملاحقة تجلياته الوامضة في النصوص السردية، بداية بالشكلانيين الروس وعلى رأسهم "توماشيفسكي"  الذي فرَّق لأول مرة في تاريخ النقد الأدبي بين الحكاية La fable   (المتن الحكائي) والموضوع    Le sujet(المبنى الحكائي (Tomachevski, 1965, p. 168)  [1]

  وهو يعرف الحكاية بأنها " مجموع الأحداث المرتبطة ببعضها والتي تذكر لنا أثناء العمل. الحكاية يمكن أن تُعْرض لنا بطريقة واقعية حسب الترتيب الطبيعي، أي الترتيب الكرونولوجي والسببي للأحداث، مستقلة عن الطريقة التي تم بها تنظيمها وإدراجها داخل العمل.

  الحكاية تناقض الموضوع الذي يتألف من الأحداث نفسها، ولكنه يحترم نظام ظهورها داخل العمل وسلسلة الإخبارات التي تبينها لنا". (Tomachevski, 1965, p. 168) ويشير في الهامش باختصار إلى أن الحكاية (المتن الحكائي) هي ما وقع فعلا، وأن الموضوع (المبنى الحكائي) هو الطريقة التي عرضت بها الحكاية على وعي القارئ. (Tomachevski, 1965, p. 168 note 1)

2.1. التغريب:

أول من استخدم مصطلح التغريب Singularisation  [2](أو Ostranénie) هو" فكتور شلوفسكي" V. Chklovski  الذي يقول في سياق تحليله للسرد الأدبي عند "تولستوي":

"..لكي يُسْتعاد الإحساس بالحياة، للشعور بالأشياء، لندرك أن الحجر هو حجر، يوجد ما يسمى الفنّ. هدف الفن هو منح الإحساس بالشيء كرؤية لا كتعرف: إن العملية الفنية هي عملية تغريب Singularisation للأشياء، وهي العملية المتمثلة في إلقاء الغموض على الشكل، في زيادة صعوبة ومدة الإدراك. إن عملية الإدراك في الفن هي هدف في حد ذاتها، وينبغي إطالتها. الفن هو وسيلة لإدراك صيرورة الشيء، فما (صار) فعلا لا يهم الفن". (Chclovski, 1965, p. 83)   

  ومن ملامح التغريب عند "تولستوي" حسب "شلوفسكي" أنه "لايسمي الشيء باسمه، ولكنه يصفه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، ويتعامل مع كل حادث كأنه وقع للمرة الأولى، فضلا عن ذلك، فإنه يستخدم في وصف الشيء، لا الأسماء التي تُعْطى عموما لأجزائه، ولكن كلمات مستعارة لوصف أجزاء مماثلة من أشياء أخرى". (Chclovski, 1965, p. 84)

  ويطيل "شلوفسكي" الاقتباس من أدب "تولستوي" ليظهر مواضع التغريب فيه، وقد طالت اقتباساته كثيرا، كاقتباسه ما يقارب ثلاث صفحات من قصة يتكلم فيها حصان. (Chclovski, 1965, pp. 85-88)

 إن مفهوم "التغريب" عند "شلوفسكي" يذكرنا بمصطلح الانحراف أو الانزياح L’écart  في لغة الشعر عند "جون كوهين" Jean Cohen  وهو يعرفه انطلاقا من المنظور الأسلوبي، فـالأسلوب في مفهومه الأدبي " هو ما ليس شائعا، عاديا، متوافقا مع "المعيار" المستخدم... الأسلوب كما يُمارس في الأدب، يمتلك قيمة جمالية. إنه انزياح بالنسبة إلى قاعدة، وإذن فهو خطأ، ولكنه كما يقول "برونو" Bruneau (خطأ مقصود) ...وهذا التعريف يحتفظ بقيمة إجرائية أكيدة". (Cohen, 1966, p. 13)

إن القيمة الإجرائية التي يتحدث عنها "كوهين" هنا لا بد أن تكون مشروطة بأمر مهم، فمفهوم الانزياح عنده ومفهوم التغريب عند "شلوفسكي"، لا يمكن أن يتأسسا على البناء الاستعاري للنص، فحين نقول مثلا: "كانت فلانة قمرا يضيء أيامي"، أو "كان فلان أسدا في الحرب وقلبه من صخر" ...الخ، لا نكون بإزاء تغريب أو انزياح، لأن مثل هذه العبارات أصبحت نماذج مألوفة رغم احتفاظها بصفتها الاستعارية.

 وهذه الألفة لا تنفي بالطبع صفة الأدبية عن النص فثمة أدباء مقلدون كثر، وصيغ مجازية أصبحت مألوفة، لكن البناء البلاغي للنص الأدبي يظل من محددات الأدبية فيه، وقد تناول "جاكوبسون" هذه القضية تحت مسمى "التوازي". يقول في تعريف المفهوم:

" لنفترض أنه قد تم تقديم صورة حقيقة أمامنا (الرأس) وأن المجاز المستخدم لها هو البرميل.

التوازي السلبي سيكون (هذا ليس برميلا ولكنه رأس). التوازي المنطقي "المقارنة" (هذا الرأس مثل برميل). التوازي المعكوس: (هذا ليس رأسا ولكنه برميل). وأخيرا، إسقاط التوازي المعكوس على الزمن "المسخ" (أصبح الرأس برميلا)" (Jakobson, 1977, p. 19).

 تمثل شواهد "جاكوبسون" وتسمياتها تحويرا للمصطلح البلاغي، لكن المهم فيما يطرحه هنا هو تأكيده على أهمية البناء البلاغي/الاستعاري للنص بوصفه أحد محددات الأدبية، ولكننا لم نلمس لديه اهتماما بتطوير المفهوم خارج مجال الشعر رغم أن أمثلته السابقة نثرية، وكون أمثلته نثرية يتيح لنا أن نعدها صالحة من الناحية الإجرائية لتناول لغة السرد الروائي، فالتصوير البلاغي ليس مقصورا على الشعر، بل هو سمة مهيمنة على أعمال بعض الروائيين الذين يمزجون بين لغة الشعر في استعاراتها وتلميحاتها الكنائية وتضميناتها البلاغية القريبة من مفهوم التناص، ولغة النثر التي تخلق وهم الواقع من خلال سرد الأحداث ووصف الأماكن ورسم المشاهد الحوارية.

    والواقع أن الرواية نفسها استعارة كبرى لأنها تخلق عالما شبيها بالواقع، فثمة طرفا تشبيه حُذف أحدهما (العالم الحقيقي) أي المشبه به وبقي للقارئ/الناقد/ المؤول أن يبحث عن المشبَّه، أي النص التخييلي، وأوجه الشبه والاختلاف بين الواقعي والمتخيل! وهذا البحث هو مدخل ثري إلى التأويل، واختبار كفاءة القارئ/الناقد.

   وفي سياق الفهم الموسع لمصطلح التغريب أو الانحراف Déviation  كما يطلق عليه البعض، يورد "دومينيك غابي" Dominique Gabet رأي "غونييه" Gueunier الذي يرى أنه من خلال التحديد والتصنيف اللساني للانزياحات فإننا ننتظر منها أن تمنحنا مدخلا للأدبية، وهدف هذا الانحراف قياسا إلى الانتظار هو خرق المألوف اللغوي la défamiliarisation ou désautomatisation du langage ليس فقط عبر استعمال العلامات اللغوية غير العادية، ولكن أيضا عبر استعمال لغة تراثية وفخمة".  ويورد "غابي" نقد "جونات" لهذه النظرية لأنها تستلزم -حسبه- أن لغة النثر السردي أقل أدبية من الشعر. ثم يتساءل: من أي درجة للانحراف يمكننا البدء باعتبار نص ما أدبيا؟ (Gabet, 1997, pp. 325-326)

  لا يبدو تساؤل "غابي" مقنعا، فالواقع أنه انطلاقا من العلاقة بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فإن الطرف الثاني، أي المبنى الحكائي (القصة المروية) يشكل انحرافا عن الأول بمعيار النحو السردي وذلك عبر المفارقات الزمنية: فكل خطاب سردي هو بالضرورة انزياح/انحراف عن القصة الحقيقية المفترضة، ولكن الانزياح لا يتحقق عبر المفارقات الزمنية فحسب، بل لا بد من حد أدنى من التغريب أو "الغرابة" في السرد. إن مبدأ التغريب هو مبدأ ثابت من معايير أدبية النص السردي مهما بدا واقعيا في تفاصيله. فرواية مثل "أنا وحاييم" لـ "الحبيب السائح"[3] قد تبدو للقارئ -عبر التأويل السيميائي والدلالي لعلاماتها المكانية والزمانية، وأحداثها ذات الطابع الخطي الخالي من الاسترجاع والاستباق وغياب التعقيد عن المسار السردي والبرامج السردية فيها- أقرب إلى السيرة التخييلية المتقاطعة مع السرد "البيوغرافي" الواقعي الذي يرصد سيرة نمطية لصديقين يشتركان في المكان والزمان والسن فلا يُسْتغرب تقاربهما، لكن منشأ الغرابة في الرواية هو كون الصداقة بين يهودي ومسلم في فضاء جغرافي (الجزائر) لا يعرف أبدا مثل هذه العلاقة.

لا يمكننا أن نتخيل عملا أدبيا سرديا يخلو من الحدود الدنيا للتغريب، أما التغريب في حدوده القصوى، فهو الذي أتاح نجاح وانتشار أعمال سردية من أمريكا اللاتينية وآسيا كأعمال إيزابيل ألييندي، وغابريال ماركيز، وماريو بارغاس يوسا، وهاروكي موراكامي، وهان كانغ.

ويمكننا أن نضيف إلى أبعاد التغريب أو الانزياح، غرابة اللغة أيضا، وهي هنا تعني"إبراز اللغة لذاتها، فعبر تعامله الخاص مع المعجم والنحو والإيقاع والأبنية السردية والصور، يمارس الأدب خرق مألوف اللغة وكسر نمطيتها". (Dufais & AL, 2009, p. 76)

3.1. اللامرجعية:

بالعودة إلى "غابي" نلاحظ أنه ينتقد أيضا المُسَلَّمة التي مفادها أن النص الأدبي ليس له مرجع، فهو منزوع السياق Décontextualisé، لا تاريخي، فهذه النظرة البنيوية حسبه تجهل الأبعاد التاريخية والاجتماعية للعمل الأدبي. (Gabet, 1997, p. 326)

  وهذا النقد يخلط بين المرجع والدلالة، فالمرجع قد يكون تاريخيا أو اجتماعيا لكن الدلالة تظل أدبية تخييلية. فمفهوم المرجع  Le référent في النقد الأدبي يختلف عن مفهومه اللساني فإذا كانت كلمة مثل "حواء" في مرجعياتها اللسانية والتاريخية والدينية تحيل على اسم علم لأم البشرية، فإنها في النص الأدبي قد تدل على "المطلق الأنثوي" أو المرأة بوصفها رمزا لا جسدا. 

ولا شك أن روايات "جورجي زيدان" التاريخية لم تُعْتبر روايات فنية ولم يُؤَرَّخْ بِها لبداية الفن الروائي عند العرب، لأن مرجعها التاريخي واضح ومسيطر على النص، فهي مجرد "تسريد" للتاريخ يقبع التخييل في هامشه، خارج الحبكة. بينما يُعَدُّ "ألكساندر دوما" Alexandre Dumas أبًا للرواية التاريخية الحديثة لأنه همّش السياق التاريخي وحرّفه، واستبدله بحبكته التخييلية منتجا تاريخا مُتَخيَّلا يقبع على هامشه التاريخ الرسمي. وهو صاحب العبارة الشهيرة التي تتردد كثيرا في الكتب والمقالات وأغلفة كتبه:

         " يمكننا اغتصاب التاريخ، لكن بشرط أن نمنحه أطفالا وُسماء!"

"On peut violer l’histoire, à condition de lui faire de beaux enfants!"

إن النص الروائي يتميز بلا مرجعيته التاريخية أو الواقعية، فنحن لا ننظر في المرآة حين نتصفح رواية، بل نطل على عالم طازج، لم نسبر، بعدُ، غوْره. حين نقرأ، مثلا، في رواية "الغريب" لألبير كامي عن الملجأ الذي ماتت فيه والدته، أو نقرأ في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح عن بيته في لندن، فنحن لا نقرأ عن أماكن حقيقية، بل عن أماكن نصية تخييلية، وهذا يقودنا إلى مفارقة أخرى بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي يمكن أن نسميها المفارقة المكانية.

4.1. المقاربة القرائية:

إن التيه المزمن في القبض على مفهوم قار للأدبية قد دفع الكثير من النقاد إلى إعادة التفكير في معضلة التلقي وترجيح المقاربة القرائية، ومنهم "جوناثان كولر" Jonathan Culler و"جورج مولينيي" Georges Molinié. فقد ترجحت لدى كثير من دارسي الأدب، أنه في نهاية المطاف "ليست النصوص هي التي تفرض أدبيتها، ولكن القارئ هو الذي يقرر أن يمنحها هذه القيمة". (Dufais & AL, 2009, p. 78)

والسؤال الذي ينبثق بشكل عفوي هو: عن أي قارئ نتحدث؟

إن فاعلية القراءة مشروطة وليست مطلقة. فالقارئ الذي نتحدث عنه هنا هو الذي يمتلك ما يسميه "كولر" القدرة/ الكفاءة الأدبية، " فمن يتحدث أو يعالج نصا أدبيا لا بد أن يعتمد على فهم مضمر (ومسبق) لعملية الخطاب الأدبي. هذا الخطاب الأدبي (قوانينه وأعرافه وتقاليده) هو ما يبحث عنه القارئ أو الناقد. وبدون هذه المعرفة تتحول الأنواع الأدبية إلى طلاسم عند القارئ حتى لو كتبت بلغته الأم". (ميجان و البازعي، 2002، صفحة 208)

وحسب "كولر" دائما تعتمد القدرة/الكفاءة الأدبية، مثلها مثل اللغوية، على الدربة والتمكن، ومعرفة اللغة معرفة تامة تساعد على اكتساب القدرة الأدبية إلى حد معين، ومعرفة الأدب ليتعلم المرء كيفية توظيف العلاقات اعتمادا على أعراف قراءة الأدب وتقاليده فالمرء لا يكتب إلا من خلال نظام النوع الأدبي، وكل القراءات لها ما يبررها إذا انصاعت إلى شرط محدد، شرط القارئ المثالي Ideal reader. (ميجان و البازعي، 2002، الصفحات 208-209)

 وفي السياق نفسه يرى "جورج مولينيي" G. Molinié أن المتلقي وحده هو الذي يقيم النص كعمل أدبي، ولهذا يفضل الحديث، بدلا من الأدبية La littérarité عن إنتاج الأدبية La littérarisation، وهكذا ستصبح كل القضية هي محاولة فهم الشروط التي تسبق تلقي النص كـ"جسد جمالي". (Stolz, 2024, pp. 79-80) وثمة أمر مهم يشير إليه "مولينيي" وهو التدرجية La gradualité في الأدبية وهو ما يسميه نظام الأدبية Le régime de la littérarité، فلا تمتلك كل الأعمال "نظام الأدبية" نفسه، إذ بعضها تبدو أكثر أدبية من سواها. وفي داخل العمل الواحد يمكننا أن نجد درجات متفاوتة لنظام الأدبية. فخاتمة رواية "دير بارم" لستاندال، يبدو نظام أدبيتها أقل ارتفاعا منه في باقي الرواية. (Stolz, 2024, p. 81)

وللتدليل على ما يقوله "مولينيي" هنا يمكننا الاستئناس بمقطع من رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي:

- أتريد قهوة ؟

يأتي صوت عتيقة غائبا، وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري.

معتذرا دون اعتذار، على وجه للحزن لم أخلعه منذ أيام.

يخذلني صوتي فجأة ..

أجيب بإشارة من رأسي فقط.

فتنسحب لتعود بعد لحظات، بصينية قهوة نحاسيه كبيرة عليها إبريق، وفناجين، وسكرية، ومرشّ لماء الزهر، وصحن للحلويات.

في مدن أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان، وضعت جواره مسبقاً معلقه وقطعة سكر.

ولكن قسنطينة مدينه تكره الإيجاز في كل شيء.

إنها تفرد ما عندها دائما. تماما كما تلبس كل ما تملك. وتقول كل ما تعرف.

ولهذا كان حتى الحزن وليمة في هذه المدينة.

أجمع الأوراق المبعثرة أمامي، لأترك مكاناً لفنجان القهوة وكأنني أفسح مكانا لك ..! (أحلام، 2000، صفحة 8)

 

في المقطع المقتبس من رواية "أحلام مستغانمي" يمكننا القول أن نظام الأدبية في العبارات المُسطَّر تحتها أعلى منه في بقية النص، فالعبارات المختارة أبنية استعارية شاعرية، تلفت نظر المتلقي إلى اللغة نفسها بعيدا عن سيرورة السرد، دون أن تفقد التحامها بالنص في مجمله.

يمكن للمتلقي حذف الأبنية الاستعارية من أي نص سردي أدبي ليستبقي الحدث، ولكن النتيجة في هذه الحالة تكون مَسْخًا للنص: 

"أتريد قهوة؟

يأتي صوت عتيقة، وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري.

أجيب بإشارة من رأسي فقط.

فتنسحب لتعود بعد لحظات، بصينية قهوة نحاسيه كبيرة عليها إبريق، وفناجين، وسكرية، ومرشّ لماء الزهر، وصحن للحلويات.

أجمع الأوراق المبعثرة أمامي، لأترك مكاناً لفنجان القهوة."

إن المقطع الثاني بعد حذف أبنيته الاستعارية يبدو أقرب لسرد تقريري لا يستبطن جمالية اللحظة وانفتاحها على التأويل البلاغي، فصينية القهوة التي كانت في المقطع الأصلي علامة تختزن أبعادا جمالية وحضارية مرتبطة بالمكان الحميمي (قسنطينة) انكمشت هنا دلالتها لتغدو مجرد آنية.

ما يمكننا استخلاصه من آراء "كولر" و"مولينيي" أن فاعلية القراءة مشروطة بالكفاءة، وأن الأدبية مفهوم غير كمي ولكنه مفهوم نسبي يساهم القارئ الكفؤ في إنتاجه عبر اقتناص ملامحه في النصوص، وتلقي المادة الأدبية بذائقة مدربة خبيرة، ولا سيما النص السردي الذي تختفي أدبيته تحت طبقات من الأحداث والحوارات والأوصاف التي تتعاضد في سبيل خلق وهم الواقع، ولهذا فاستقبال النص هنا يتطلب قارئا عميق الخبرة بالنصوص الأدبية عامة، وبالنصوص السردية خاصة، ليُحْسن قَنْص ملامح وتجليات الأدبية في النص الروائي.

 

5.1. التوتر السردي:

ولعل من شروط تلقي النص الأدبي السردي بوصفه كذلك، هو أن يستدرج القارئ إلى شباكه، فالقارئ لا يقرأ السرد كأنه يقرأ في مرآة تخبره بما يعرفه سلفا، بل هو متلصص خلف النافذة، يبحث عن لذة الاكتشاف، وهذا كله مشروط بعامل نفسي مهم جدا: التشويق، والتشويق مرتبط بالحبكة، والحبكة بوصفها تقنية روائية تُنتِج ما سماه "رفائيل باروني" R. Baroni "التوتر السردي" La tension narrative.  وهو يقترح نموْذجًا يتجاوز المقاربة الوصفية للسرد نحو التساؤل عن: ماذا وكيف يمنح اللذة؟ فالسؤال لم يعد ببساطة: كيف يُبنى السرد؟ بل: ما الذي يجعل السَّرد آسرًا؟ (Jouve, 2014, p. 173)

السرد عند "باروني" -بوصفه فنا زمنيا- يتميز بلا يقينيته والانفعال الذي يثيره. إن لذة النص تتحقق في التوتر بين الإجابة الاستباقية للقارئ والإجابة النصية.. وهذا ما يسميه باروني بـ "التوتر السردي". ويعرضه بالشكل الآتي:

"التوتر هو الظاهرة التي تتحقق حين يتَشجَّع مؤوِّل السرد على انتظار حل، هذا الانتظار، بما أنه متميز باستباق مشوب باللايقين فإنه يضفي سمات انفعالية على فعل التلقي. التوتر السردي يُعَدُّ هكذا كأثر شعري يُهَيْكل السرد، ونتعرف فيه على المظهر الديناميكي أو "القوة" لما تعودنا أن نسميه حبكة". (Jouve, 2014, p. 173)

والانفعالات الثلاثة التي تثيرها قراءة السرد هي: المفاجأة La surprise والتشويق Le suspense والفضول La curiosité

  "المفاجأة يثيرها الكشف المفاجئ عن معلومة مرت في صمت: قنبلة مخبأة في سيارة دون علم القارئ، تنفجر فجأة.

التشويق يتعلق بالمخرج اللايقيني من وضعية معروفة: القراء يعلمون أنه تم وضع قنبلة في سيارة، هل ستنفجر؟

أخيرا، الفضول هو نتيجة معلومة جزئية: شخص ما وضع شيئا ما داخل سيارة دون أن نعرف بماذا يتعلق الأمر" (Jouve, 2014, p. 174)

ما يقترحه "باروني" هنا يمثل امتدادا عموديا لمفهوم "التغريب". لأن الغريب هو غير المألوف وغير المتوقع، فإذا كان التغريب في بعده الأفقي يتعلق بالمكان والشخصيات، فإن التغريب في بعده العمودي يتعلق بالحدث وسيرورته الزمنية غير المتوقعة، وهذا ما يجعل من "التغريبين" في تعاضدهما أداة فعالة لقَنْص ملامح الأدبية في النص السردي. فالنص السردي يفتقر للحياد، إذ يتعمد استفزاز القارئ واستدراجه إلى شباك الحبكة، عكس النص التاريخي أو الخبر الصحفي مثلا، فكلاهما يقدمان الوقائع بأسلوب بارد محايد ودون حبكة سردية.

 

2. مفهوم السرد:

يعرِّف "حميد لحمداني" السرد بأنه: "يقوم على دعامتين أساسيتين. أولاهما: أن يحتوي على قصة ما، تضم أحداثا معينة. وثانيتهما: أن يُعيِّن الطريقة التي تحكي بها تلك القصة. وتسمى هذه الطريقة سردا، ذلك أن قصة واحدة يمكن أن تُروى بطرق متعددة". (لحمداني، 1991، صفحة 145)

ويعرفه "جيرالد برنس" بأنه "الحديث أو الإخبار.. لواحد أو أكثر من واقعة حقيقية أو خيالية....فنصوص قد لا تكون مهمة من قبيل "قام الرجل بفتح الباب" و"الكأس سقطت على الأرض" تعتبر سردًا وفقا لهذا التعريف". (برنس، 2003، صفحة 145)

 ويعرفه مجدي وهبة وكامل المهندس في معجمهما بأنه " المصطلح العام الذي يشتمل على قص حدث أو أحداث أو خبر أو أخبار سواءً أكان ذلك من صميم الحقيقة، أم من ابتكار الخيال". (مجدي و المهندس، 1984، صفحة 198)

 أما "لطيف زيتوني" فيعرفه بقوله: "السرد أو القص هو فعل يقوم به الراوي الذي ينتج القصة، وهو فعل حقيقي أو خيالي ثمرته الخطاب". (زيتوني، 2002، صفحة 105)

تتفق التعريفات السابقة على أن السرد هو الإخبار أو الحديث عن واقعة أو وقائع، وهذا تعريف "تقني" خالص لنوع من التلفظ البشري، ولا يثير أي إشكال. فقولي: زارني قريبي فأكرمته بعشاء فاخر، هو سرد لأنه يتضمن وقائع. أما قولي: بيتي يتكون من ثلاث غرف، فليس سردا لأنه لا يتضمن أي واقعة.

مثل هذا التعريف التقني، نجده في شكله الأنقى عند "جون ميشال آدم" في تعريفه السرد بأنه "ليس نوعا أدبيا ... ولكنه نمط من التنظيم -وبالتالي الاتساق- بين الملفوظات". (Adam, 1997, p. 581)

 

1.2. الاتساق السببي المنطقي:

إن مبدأ التنظيم المفضي إلى اتساق الملفوظات الذي يشير إليه "آدم" مهم جدا في تحديد السرد، لأنه يتضمن الترتيب المنطقي والسببي للوقائع. فإذا ألغيت الترتيب المنطقي – السببي وقلت مثلا: "فتحت حنفية الماء، فانقطعت الكهرباء في بيتي" فإن قولي لا يبني ملفوظا سرديا.

2.2. مكونات السرد:

تتلخص مكونات السرد حسب "جون إيف بويو" Jean-yves Pouilloux  في أربعة عناصر مجردة إذ يتضمن كل سرد "ميثاقا تشتغل فيه مصطلحات أربع: الكاتب، القارئ، الشخصية، والكلام. بمجرد اختفاء أحد هذه المصطلحات تنتفي الثقة، ويُخْرق الميثاق". (Pouilloux, 1997, p. 585)

 والمُلاحظ على تعريف "بويو" أنه يقتصر على السرد النصي مُغْفلا مبدأ التلفظ الذي يحتوي كل أنماط التواصل الخطابي شفاهية كانت أم كتابية، فليس النص دعامة أساسية للسرد حتى يكون طرفاه الكاتب والقارئ، بل الحَكْي، الذي يفترض -كما تجمع عليه مصادر السرديات - الراوي (أو السارد)، و(المروي له) أو المسرود له.

وإلحاحنا على هذا المبدأ إنما يعود إلى ضرورة الاحتفاظ بالحد الأدنى من تعريف "الرواية" بوصفها نوعا أدبيا، لأن تعريف الرواية، بوصفها نوعا أدبيا لا مجرد سرد، هو المسألة التي أثارت أكبر قدر من الخلاف بين نقاد الأدب، لأن تجنيسها تسبب في إهراق الكثير من الحبر الذي لم يجفّ إلى الآن، رغم وجود تعريفات شائعة لها، كتعريف "رومان غودرو"  Romain Gaudreaultبأنها:" نص طويل، تخييلي، مكتوب بلغة نثرية" (Gaudreault, 2008, p. 58) أو تعريف "ميشال ريمون" Michel Raimond بأنها " قصة متخيلة ذات طول معين (بضع مئات من الصفحات) تقوم على فعل مرتبط بترتيب الأحداث والشخصيات". (Raimond, 1989, p. 19) وهو حسبه التعريف الأولي أو العفوي الذي يتبادر إلى أذهاننا. 

3.2.  الرواية ومأزق التجنيس:

تعود صعوبة تصنيف أو تجنيس الرواية إلى تعدد موضوعاتها وأشكالها وتقنياتها حسب "ميشال ريمون"، فمعجم "لاروس الكبير للقرن العشرين" Grand Larousse du XXe siècle يميز بين الرواية التاريخية، والرعوية، والتعليمية، والهزلية، والساخرة، والرسائلية، والحميمية Le roman intime، ورواية الأخلاق، والرواية النفسانية أو التحليلية، ورواية المغامرات، وروايات الفروسية التاريخية. أما قاموس "لوروبار" Le Robert فيقترح الأنواع الآتية: الرواية التاريخية، رواية الحب، رواية التحليل النفسي، رواية المغامرات، رواية الحرب، رواية الأخلاق، الرواية العجائبية، الرواية الإقليمية Le roman régionaliste الرواية القروية، الرواية المُقَنّعة Le roman à clefs، رواية السيرة الذاتية، الرواية السوداء، رواية الرعب، الرواية البوليسية، رواية الاستباق (التنبؤ)، رواية الخيال العلمي. (Raimond, 1989, p. 20)

 واللافت للانتباه أن الموسوعة الفرنسية الشهيرة "يونيفارساليس" التي حرر موادها الأدبية عشرات المتخصصين ذوي الشهرة العالمية مثل (رولان بارت، وهنري ميشونيك، وجورج مولينيي، وروني إيتيامبل ...)  لا تخصص أي مدخل تعريفي للرواية، بل يرد مصطلح "رواية" دائما في سياقات تركيبية : تصنيف الرواية Typologie du roman، الرواية والمجتمع  Roman et société، الشخصية الروائية Personnage du roman ...فرغم وفرة المداخل التي خصصت للرواية في الموسوعة (من ص 618 إلى ص 680)، لم يخصص أي مدخل لمصطلح Roman منفردًا، وهذا شديد الدلالة على مأزق التجنيس، وهو ما تشفُّ عنه بوضوح عبارة "جون كابرياس" Jean Cabriès في المادة الخاصة بـ(تصنيف الروايةTypologie du roman ) :"باعتبار الرواية قادرة على امتصاص جميع اللغات، وأن تُؤَسَّس على أية بنية للواقع الاجتماعي أو النفسي، فقد تم التسليم بأنها نوع مستحيل التعريف دلاليا وجماليا". (Cabriès, 1997, p. 618)

والواقع أن أغلب النقاد يُقرّون بهذه الاستحالة، فـ"جورج لوكاتش" Georg Lukács في كتابه "نظرية الرواية" يكتفي بالحديث عن "الشكل الروائي" لا الرواية، و"باختين" Bakhtine يقرّ بأنه رغم الجهود حول تصنيف أنواع الرواية إلا أن الباحثين لم يتوصلوا إلى صيغة توليفية للرواية كنوع.. وقد لاحظ "ميشال زيرافا" Michel Zéraffa أنه ليس ثمة نشأة واضحة ومميزة للرواية، ليست ثمة مبادئ مُكرَّسة، ولا قواعد جمالية. (Stalloni, 2019, pp. 75-76)

وبناء على هذه الصعوبة يقترح "زيرافا" تصنيفا لاختزال أنواع الرواية انطلاقا من ثلاثة معايير:

أ- سياق الحبكة: وهي الفئة الأكثر شيوعا، والتي تسمح وفقا لإطارها الجغرافي والتاريخي، بحصر تنوع تسمياتها: الرواية الريفية، الإقليمية، العجائبية...الخ

ب- الفعل: التقسيمات هنا تتم انطلاقا من موضوع الفعل، وطبيعة ودرجة الأحداث، والشرط الاجتماعي للشخصيات كما في رواية المغامرات، الرواية البوليسية، رواية الجوسسة، الرواية السوداء...الخ

ج- التقنية السردية: هذا الترتيب هو الأحدث ويتأسس على مبادئ الكتابة أو التركيب، الجمالية الخاصة بمدرسة أو حركة: رواية السيرة الذاتية، الرواية الرسائلية، الرواية بضمير المتكلم. (Stalloni, 2019, p. 77)

3. التركيب:

في مناخ شديد السجالية كهذا ينبغي الاقتصار على المحددين الأساسين للرواية بوصفها -أولا- تقنية تلفظية تقوم على الإخبار بواقعة أو وقائع، أي المحدد السردي، فهذا المحدد هو الذي يحظى بالإجماع. ولكنْ، باعتبار السرد تقنية مشتركة بين عدة أنواع من الخطاب مثل الخطاب التاريخي، والإعلامي، والسينمائي، وغيرها فلا بد من محدد آخر يمنع تداخل السرد الروائي بغيره من السرود وهذا المحدد هو الأدبية.

وبناء على المحددين السردي والأدبي كما تبيّناهما من خلال الصفحات السابقة للمقال، يمكننا اقتراح التعريف الآتي للرواية: هي نص أدبي نثري طويل يقوم على الإخبار عن واقعة أو وقائع، ويمتاز عن النثر العادي بمفارقاته الزمانية والمكانية، كما يمتاز بلامرجعيته التاريخية والجغرافية، وتقوم حبكته على التغريب والتوتر السردي.

الخاتمة:

توصلنا عبر مقالنا هذا إلى أن مفهوم الأدبية، رغم غموضه وضبابيته، يظل قابلا للكشف عبر محدداته الدنيا الآتية:

- التغريب، وهو حسب المفهوم الشكلاني إلقاء الغموض على الشكل وزيادة صعوبة ومدة الإدراك، وحسب المفهوم البنيوي هو خرق المألوف اللغوي، وحسب المفهوم السيميائي أو الدلالي هو الانزياح عن الواقع ولو في حدوده الدنيا. هذا التغريب هو شرط للأدبية ومعيار ثابت من معاييرها.

- المفارقة الزمنية، وتعني الفرق بين زمن القصة الحقيقية المفترضة وزمن الخطاب القصصي أي السرد الأدبي. أو حسب الاصطلاح الشكلاني في ترجمته العربية: الفرق بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي. مثل هذه المفارقة تنأى بالسرد الأدبي والرواية تحديدا عن مطابقة الواقع، مما يجعل الرواية بمثابة استعارة كبرى لأنها لا تعيد إنتاج الواقع بل تخلق عالما شبيها بالواقع.

- اللامرجعية، وتعني أن النص الأدبي لا يحيل إلى واقع تاريخي حقيقي بل يحيل إلى واقع تخييلي، كما أنه لا يحيل إلى مكان حقيقي بل مكان تخييلي فهو لا يعيد إنتاج الواقع بل يغيره عبر التخييل.

- التوتر السردي، فالسرد الأدبي، عكس السرد التاريخي أو الصحفي مثلا، يقوم على التوتر السردي الذي يتحقق حسب الناقد "رفائيل باروني" من خلال إثارة ثلاثة انفعالات هي: المفاجأة والتشويق والفضول. 

- السرد في تعريفه التقني الخالص هو الإخبار عن واقعة أو وقائع تتميز بالاتساق السببي المنطقي.

- صعوبة تعريف الرواية باعتبارها نوعا أدبيا سرديا شديد التنوع في موضوعاته وتقنياته وأساليبه دفعنا إلى محاولة تعريفها من خلال التوليف بين المحدد السردي بوصفه تقنية والمحددات الدنيا للأدبية. 

                                                    

المراجع العربية والمعربة:

الرويلي، ميجان، و سعد البازعي. (2002). دليل الناقد الأدبي (الإصدار 3). الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي.

جيرالد برنس. (2003). المصطلح السردي (الإصدار 1). (عابد، خزندار، المترجمون) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.

حميد لحمداني. (1991). بنية النص السردي (الإصدار 1). بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

لطيف زيتوني. (2002). معجم مصطلحات نقد الرواية (الإصدار 1). بيروت: مكتبة لبنان، دار النهار.

مستغانمي، أحلام. (2000). ذاكرة الجسد (الإصدار 15). بيروت: دار الآداب.

وهبة، مجدي، و كامل المهندس. (1984). معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب (الإصدار 2). بيروت: مكتبة لبنان.

 

المراجع الأجنبية:

Adam, J. M. (1997). Récit. Dans Collectif, Dictionnaire des Genres et notions littéraires. Paris: Encyclopædia Universalis et Albin.

Aron, T. (1984). Littérature et littérarité, un essai de mise en point. Paris: Les belles lettres.

Cabriès, J. (1997). Typologie du Roman. Dans Collectif, Dictionnaire des Genres et notions littéraires. Paris: Encyclopædia Universalis et Albin.

Chclovski, V. (1965). L’art comme procédé. Dans T. Todorov, Théorie de la littérature, Textes des Formalistes russes. Paris: Éditions du Seuil.

Cohen, J. (1966). Structure du langage poétique. Paris: Flammarion.

Dufais, J.-L., & AL. (2009). Pour une lecture littéraire. Bruxelles: De Boeck.

Gabet, D. (1997). Quelques remarques sur le concept de littérarité. Dans A. Delgado, IV Coloquio : Centenario de François Rabelais. Asociación de Profesores de Francés de la.

Gaudreault, R. (2008). Comment définir un genre littéraire. Québec français(148), 58-59.

Jakobson, R. (1977). Huit questions de poétique. Paris: Éditions du Seuil.

Jouve, V. (2014). Poétique dy roman (éd. 4). Paris: Armand Colin.

Marino, A. (1988). Comparatisme et théorie de la littérature. Paris: Presses universitaires de France.

Pouilloux, J.-y. (1997). Techniques du récit. Dans Collectif, Dictionnaire des Genres et notions littéraires. Paris: Encyclopædia Universalis et Albin.

Raimond, M. (1989). Le roman. Paris: Armand Colin.

Stalloni, Y. (2019). Les genres littéraires (éd. 3). Paris: Armand Colin.

Stolz, C. (2024). Initiation à la stylistique (éd. 3). Paris: Ellipses.

Tomachevski, B. (1965). Thématique. Dans T. Todrov, Théorie de la littérature, Textes des Formalistes russes. Paris: Éditions du Seuil.

 

 



 [1] نتبنى هنا الترجمة التي يقترحها إبراهيم الخطيب للمصطلحين -رغم أنه لم يبرر سبب اختياره لها- لأنها تمنع الالتباس الشديد بين مصطلحي الحكاية والقصة، وكذلك مصطلح الحبكة الذي اختاره البعض بديلا عربيا لمصطلح السوزيت أو الموضوع وهو مصطلح غير دقيق لأن الحبكة تستخدم في سياق آخر بديلا لمصطلح  Intrigueوهو مصطلح شديد الأهمية لا يمكن تحمل الالتباس بينه وبين مصطلح الموضوع أو المبنى الحكائي. ينظر: تودوروف، نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط ،1الرباط، ، 1982،  ص 179.

 

[2] يترجم البعض المصطلح بـ"الإفراد" وهي ترجمة لا معنى لها في هذا السياق، فإن كان المعنى الأصلي لكلمة Singulier الفرنسية هو المفرد فإن من معانيها الشائعة الاستعمال : الغريب Bizarre والمدهش Étonnant والاستثنائي. Exceptionnel والعجيب Extraordinaire ينظر معجم لاروس Larousse الفرنسي على الخط: https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/singulier/72865  تمت الزيارة بتاريخ 28/10/2025.

.

[3] صدرت سنة 2018 عن دار ميم بالجزائر ودار مسكلياني بتونس.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire