Nombre total de pages vues

lundi 13 avril 2026

الحقل الأدبي عند "بورديو": مقاربة المفهوم

 الحقل الأدبي عند "بورديو": مقاربة المفهوم

Bourdieu's literary field : A conceptual approach


 

رياض بن يوسف


 

مجلة المعيار، جامعة الأمير عبد القادر الاسلامية، المجلد:29   العدد:4   السنة :2025

 

ملخص المقال:

تمثل نظرية الحقول عند بيار بورديو Pierre bourdieu إحدى أخصب نظريات علم الاجتماع المعاصر، وما نسعى إليه من خلال هذه الدراسة هو بيان مفهوم الحقل عامة، ومفهوم الحقل الأدبي خاصة عند بورديو، ونسعى لرصد بنية الحقل الأدبي القائمة على علاقات الصراع بين المهيمنين والوافدين الجدد وآثار ذلك على سيرورة الحقل متوسلين بشواهد من الحقل الأدبي العربي لجلاء بعض الغموض عن مفاهيم بورديو ومصطلحاته المغرقة في التجريد. وفي آخر البحث رصدنا بعض الثغرات في نظرية بورديو وأهم الانتقادات الموجهة إليها.

 

كلمات مفتاحية: الحقل، بورديو، الحقل الأدبي، المهيمنون، رأس المال الرمزي.

Abstract:

The Bourdieu’s theory of fields represents one of the most fertile theories of contemporary sociology, so we seek through this study to explain the concept of field in general, and the concept of literary field in particular according to Bourdieu, and we will try to decipher the structure of the literary field based on the conflict relations between the dominants and the dominated as well as the effects of this conflict on the process of the field. and to better clarify the concepts and terms too abstract of bourdieu we have tried to illustrate them with examples taken from the Arabic literary field. At the end of the research, we observed some contradictions and criticisms concerning the theory of fields.

Keywords:  field; literary field; Bourdieu ; dominants; symbolic capital

 

 

 

 

 

مقدّمة:

ينتقد بيار بورديو Pierre Bourdieu في كتابه "قواعد الفن" النظرة المتعالية للأدب التي تزعم رفض الاختزال الأمبريقي الذي تخضعه له العلوم الاجتماعية، ويستشهد في مطلع كتابه بقول لدانيال سالناف D. Sallenave, من كتابه "هِبَة الموتى":

  " هل ندع العلوم الاجتماعية تختزل التجربة الأدبية -وهي أسمى ما يمارسه الإنسان -بالإضافة إلى تجربة الحب- إلى إحصاءات تتعلق بأوقات فراغنا، بينما يتعلق الأمر بمعنى حياتنا؟".  (Bourdieu, Les règles de l'art,1992, P 9)

وهذه العبارة مثل غيرها هي حسب بورديو نموذج للأفكار العامة الكئيبة عن الفن والحياة، عن الوحيد والمشترك، عن الأدب والعلم، عن العلوم الاجتماعية التي تستطيع إنشاء قوانين ولكنها بذلك تضيع "فرادة التجربة"، وعن الأدب الذي لا ينشئ القوانين ولكنه" يتناول دائما الإنسان الفرد، في فرديته المطلقة" (Bourdieu, 1992, P10)

ويتساءل بورديو: هل المطالبة بالاستقلال الذاتي للأدب الذي تمثل رسالة "بروست" النقدية "ضد سانت بوف" التعبير الأمثل عنه تستلزم أن قراءة النصوص الأدبية لا بد أن تكون أدبية حصرًا؟  (Bourdieu, 1992, P 10)

وبعد أن يستعرض بورديو الفهم المتعالي للأدب عند ثلة من المفكرين، كغادامير Gadamer الذي يعده غير قابل للتفسير ومقاوما لكل محاولة لترجمته إلى هوية مفهومية (Bourdieu, 1992, PP 10-11)،  يرد على كل هؤلاء الذين يعدون الأدب متساميا على أية محاولة للفهم، بمقولة للأديب الألماني غوته، مقولة شديدة الكانطية حسب بورديو: "رأيُنا أنه من الملائم للإنسان أن يفترض أن ثمة شيئا غير قابل للمعرفة، ولكن لا ينبغي عليه أن يضع حدا لبحثه" (Bourdieu, 1992, P 12).

ربما انطلق بورديو هنا من مصادرة سوسيولوجية، لأنه -وهو عالم الاجتماع غير الضليع في قضايا النقد الأدبي ومسائله الجمالية والأخلاقية والمنهجية- يقحم نموذجه أو "براديغمه" السوسيولوجي في غير سياقه دون أن ينتبه إلى أنه غير معني بالنقد الموجه للدراسات السياقية التي تدعي الانتساب إلى النقد الأدبي، فالنقد الموجه من طرف نقاد الأدب إلى قراءاته السياقية ليس رفضا لها في حد ذاتها، ولكنه استبعاد لها من حقل الدرس النقدي الأدبي.

ولا يرى بورديو أن المقاربة السوسيولوجية للنص الأدبي تختزله أو تدمره كما يتخوف منه البعض بل هي تكثف التجربة الأدبية فهي لا تهمل تفرد المبدع لحساب العلاقات التي تجعله قابلا للإدراك إلا لاستعادته في خاتمة الاشتغال على إعادة بناء الفضاء الذي يتم فيه احتواء الكاتب واستيعابه كنقطة. فالكاتب بوصفه نقطة في الفضاء الأدبي هو في الوقت نفسه نقطة تتشكل من خلالها وجهة نظر متفردة حول هذا الفضاء نفسه. (Bourdieu, 1992, P 14)

 من اليسير على القارئ هنا أن يتصور الكاتب بوصفه نقطة في الحقل حين يتخيل هذا الحقل كإطار هندسي أيا كان شكله لأن المنتمين إلى الحقل كثر وتمثيلهم بنقاط داخل الحقل أمر ميسور للفهم، لكن ما لا يستوعبه القارئ المتمرس بالنصوص الأدبية وحواشيها النقدية هو ما يقصده بورديو بتكثيف التجربة الأدبية من خلال الدراسة السوسيولوجية التي يقترحها، لأن الدرس السوسيولوجي لا يهتم بالمكونات الجمالية والنصية ولا بالأبعاد التأويلية للنص، ولم يكن لنا أن نعقب هنا على دعواه لو أنه لم يدَّعِ  أن مقاربته للعمل الأدبي تتجاوز في الآن نفسه المقاربة الماركسية الخارجية أو السياقية للنص، وكذلك المقاربة الداخلية الأحادية أو السيرية التي تفصل بين النص والمؤثرات الخارجية في إنتاجه لأن هذين النمطين من التحليل حسب ما ينقله عنه كل من شامباين وكريستان " يؤبدان في العمق التمييز الشالّ (من الشلل) والأكاديمي بين الفهم (الخارجي) والتجربة (الباطنية)"  (Champagne et Christin, 2012, P 148) فهو هنا يقتحم فضاء النقد الأدبي الذي لا يعنيه بوصفه عالم اجتماع يُفترض أنه لا علاقة له بالنقد الأدبي حتى يقترح بديله الذي يزعم ردم الهوة بين الفهم الخارجي والتجربة الباطنية.

وبهذا النمط من النقد السوسيولوجي المحض بعتقد بورديو أنه يضمن حياد المقاربة العلمية للظاهرة الأدبية، واحترام خصوصيتها وفرادتها في الوقت نفسه. ولكنها مقاربة تستثير أكثر من تساؤل:

ما مفهوم الحقل والدراسة الحقلية عند بورديو؟ وما هو مفهوم الحقل الأدبي -تحديدا- عنده؟ وهل يمكن اعتبار ما قدمه من فرضيات عن الحقل الأدبي بديلا -حسب دعواه- للمقاربات السياقية والنسقية معا؟ أم أن مقاربته تظل مجرد مقاربة سوسيولوجية لا شأن لها بالنقد الأدبي؟

 

مفهوم الحقل عند بورديو:

إن المقاربة التي يقترحها بورديو لدراسة الظاهرة الأدبية (وغيرها) هي المقاربة الحقلية، ولكن مفهوم الحقل عامة والحقل الأدبي خاصة عند بورديو مفهوم معقد يستدعي فهمه استعادة تنظيراته وكذا الحواشي الشارحة التي أضافها إليه دارسوه ومريدوه.

يتم استيعاب الحقول- حسب بورديو- بشكل متزامن بوصفها فضاءات تُهَيْكلها مواقع (أو مناصب) ترتبط خصائصها بوضعها في هذه الفضاءات ويمكن تحليلها بمعزل عن ميزات شاغليها (وهي الميزات التي تتحدد جزئيا بواسطة هذه المواقع) (Bourdieu, 2002, P 113) فالحقل حسب هذا المنظور هو بنية متجانسة تقوم على مواقع يحتلها شاغلون داخل الحقل، فالحقل الديني مثلا يشغله دعاة وأئمة وعلماء كما يشغله تلاميذ ومريدون وتابعون لهؤلاء، وكل موضع من مواضع هؤلاء الشاغلين هو ما يسمى بالموقع، فثمة مواقع متقدمة في الحقل هي مواقع القادة والمهيمنين ومواقع ثانوية هي مواقع التابعين أو الوافدين الجدد.

والميزة الأساسية لأي حقل حسب بورديو هي الصراع بين " الوافد الجديد الذي يسعى إلى كسر أقفال حق الدخول، والمهيمِن الذي يسعى إلى ديمومة الاحتكار واستبعاد المنافسة" (Bourdieu, 2002, P 113)

 فبنية الحقل حسب بورديو حالة من علاقة القوة بين العاملين (في الحقل) أو المؤسسات المنخرطة في الصراع، أو –إن شئنا- فهي (حالة) من توزيع رأس المال الخاص الذي تم تكديسه خلال الصراعات السابقة ليوجه الاستراتيجيات اللاحقة (Bourdieu, 2002, P 114)

إن الذين يملكون السلطة داخل الحقل حسب بورديو هم الذين يحتكرون (كليا أو بشكل شبه كلي) رأس المال الخاص، أساس القوة أو السلطة الخاصة بحقل ما، وهم يميلون إلى استراتيجيات محافظة، استراتيجيات، هي في حقل إنتاج الخيرات الثقافية، تنزع إلى الدفاع عن الأثوذكسية (السلفية) – بينما الأقل امتلاكا لرأس المال (وهم أيضا غالبا الوافدون الجدد وإذن فأغلب الوقت الأكثر شبابا) ينزعون إلى استراتيجيات تدميرية، وهي استراتيجيات الهرطقة. هذه الهرطقة، المضادة للأرثوذكسية، بوصفها قطيعة حاسمة، مرتبطة غالبا بالأزمة مع الدوكسا Doxa  (المعتقد) هي التي تخرج المهيمنين من صمتهم وتفرض عليهم إنتاج خطاب دفاعي عن الأرثوذكسية (Bourdieu, 2002, P 115) وينطلق هذا الدفاع المتعصب للقيم الأرثوذكسية (أو السلفية) من مفهوم الillusio أو الإيمان القبلي وهو عند بورديو كما تنقله عنه تلميذته جيزيل سابيرو" الإيمانُ المؤسس لقواعد الانضمام للعبة " (Sapiro, 2014, P 24)، أو هو على حد عبارة بورديو نفسه: "الاعتراف الضمني بقيمة الرهانات المُلْتَزَمِ بها داخل اللعبة والتحكم العملي في القواعد التي تنظمها" (Bourdieu, Réponses, 1992, P 93) وينبغي هنا أن نشير إلى التلقي المرتبك لمصلح ال Illusio عند العرب، فالزهرة إبراهيم تختار "الوهم" لترجمة المصطلح، (شوفالييه وشوفيري، تر الزهرة إبراهيم، 2013، الصفحة 289). لكن، ورغم القرابة الفعلية بين مصطلحي illusio اللاتيني وillusion الفرنسي، إلا أن ما يقصده بورديو ليس الوهم كما نعرفه بقدر ما يقصد به الإيمان "الأعمى" أو غير المبرر عقليا بجدوى الانضمام إلى اللعبة السائدة في الحقل والالتزام بقواعدها، ولو أراد بورديو أن يقصد الوهم المعروف لاستعمل ببساطة الكلمة الفرنسية!

 ويلاحظ بعض الباحثين أن بورديو مدين بفكرة الحقل لعلماء اجتماع سابقين أبرزهم دوركيم ونظريته حول تقسيم العمل الاجتماعي وكذلك ماكس فيبر ونوربرت إلياس، (Mounier, 2001, PP 54-55) لكن مفهوم الحقل عند بورديو يتميز بأمور ثلاثة: فهو أولا حقل قوى أي أنه موضوع لصراع حول امتلاك الشرعية بين المنتمين إليه،  وهو ثانيا غير منفصل عن مفهوم الهابيتوس أو التطبُّع Habitus،  وثالثا، إذا كان لكل حقل خصوصيته التي تمنع تداخله مع بقية الحقول فثمة قوانين عامة صالحة لكل الحقول لا ترتبط بالمحتوى الخاص بكل حقل ولكنها ترتبط بالعلاقات الناشئة بين المواقع التي تم احتلالها داخل الحقل. (Mounier, 2001, P 55)

وهنا لا بد أيضا من الإشارة إلى التلقي الشديد الالتباس لمصطلح ال Habitus عند المترجمين والباحثين العرب، فمحمد عثمان يترجمه ب: الاستعداد (جون سكوت، تر محمد عثمان 2009، الصفحة 41)، وأنسام محمد الأسعد تترجمه ب: العادة (جيل فيريول، تر أنسام محمد الأسعد ، 2011 ، الصفحة 98)، أما محمد الجوهري فيترجمه ب: طبع، مزاج، الاستعداد المرضي، مع إشارته إلى معناه الخاص عند بورديو وهو: الطابع الاجتماعي الثقافي (الجوهري، 2010، الصفحة 287)، أما الزهرة إبراهيم فتكتفي بنقل الكلمة كما هي إلى العربية "الهابيتوس" (شوفالييه، وشوفيري، تر الزهرة إبراهيم 2013، ص 284) والأمر نفسه عند الناقد الراحل محمد البنكي (البنكي، 2005، الصفحات 49-50)، ولكنه يشير في الهامش إلى ترجمة علي سالم لمصطلح الهابيتوس إلى"البنى الذاتية من الاستعدادات والتصورات"، وترجمة عبد الجليل الكور لها ب: السمت مع إشارته إلى إمكانية ترجمتها بلفظ "الملكة"، أما نخلة فريفر فيكتفي بنقل الأصل الفرنسي "آبيتوس".(البنكي، 2005، الصفحة 49-50 الهامش 53).

وأعتقد- بناء على الاجتهادات السابقة والتعريف الذي يقدمه بورديو للهابيتوس- أن أقرب مصطلح إليه هو السمت أو الملكة حسب اقتراح عيد الجليل الكور، لكن باعتبار الهابيتوس فطريا ومكتسبا في الوقت نفسه فأظن أن مصطلح التطبُّع أدق لأنه يشمل الدلالتين.

 

 والعاملون Les agents داخل الحقل هم الذين يمنحهم موقعهم داخل الحقل وضعهم الاجتماعي. فقبولهم في الحقل، أو في اللعبة (بتعبير بورديو) يتم على أساس المعايير المعترف بها من طرف الحقل نفسه (أي امتلاك مختلف أشكال رأس المال التي تمثل رهانات وغايات الحقل) ومن جهة أخرى يتم الانتساب إلى الحقل أيضا على أساس الاستعدادات المركوزة في العاملين (أي الهابيتوس) (Chauviré et Fontaine, 2003, P 17)

يرتبط الحقل إذن بمفهومين محوريين هما  الهابيتوس ورأس المال بوصفهما شرطين للانتماء إلى أي حقل: فالهابيتوس (التطبع) هو " أنساق من الاستعدادات الدائمة، من البنى المبنية المُعَدّة للاشتغال كبنى بانية، أي بوصفها مبدأ تعميم وبناء لأفعال وتمثيلات يمكنها أن تكون، بشكل موضوعي، منضبطة وسوية دون أن تكون مطلقا نتاج الخضوع للقواعد، متكيفة بشكل موضوعي مع أهدافها، دون افتراض القصدية الواعية لأهداف ما والتحكم المتعمد في العمليات الضرورية المؤدية إلى تلك الأهداف، وبوصفها كل ذلك، فهي منظمة جماعيا كجوقة دون أن تكون نتاج العمل التنظيمي لقائد الجوقة. (Bourdieu, 2000, P 256)

  الهابيتوس هو إذن، حسب هذا التعريف، مجموعة من الاستعدادات والمهارات التي تنطبع في الشخص بواسطة التربية الاجتماعية، لكنها استعدادات غير واعية وغير متجهة بشكل قصدي لأهداف محددة. فالمسرحي الذي ينتمي إلى الحقل الأدبي - مثلا- يمتلك بالتأكيد "الهابيتوس" الخاص به والذي اكتسبه من خلال الملكة والتعلم والتدريب،  وتجاربه بوصفه قارئا ومشاهدا للمسرح، دون أن يستهدف بذلك الدخول العمدي إلى حقل افتراضي معين والانخراط في الصراع بين محتلي مختلف مواقع الحقل بهدف السيطرة، فما يؤكد عليه بورديو هو أن التطبع (الهابيتوس) طبيعة صامتة، واستعدادات موضوعية وآلية للانخراط في الحقل، لكن فرضيته تبقى في وضعها الراهن نسبية الصحة، ويمكننا أن نمثل لهذه النسبية بنماذج عديدة كنموذج الباحث الجزائري الراحل محمد أركون الذي تقصد اكتساب اللغة الفرنسية والمناهج الاستشراقية ليفضي به ذلك للانتماء إلى الحقل الاستشراقي الأوروبي البعيد تماما عن حقله المعرفي الأصلي، فالهابيتوس الذي اكتسبه أركون لم يكن استعدادا مركوزا فيه ولم يكن اكتسابه متاحا بشكل عفوي في البيئة الجزائرية خلال فترة الخمسينيات وما تلاها، بل كان تطبعا مقصودا وقصديا. ولا شك أن ثمة عشرات الأمثلة المشابهة التي تؤكد نسبية هذه الفرضية عند بورديو.

  ولهذا فمن الطبيعي أن يستدرك بورديو هذه الثغرة في مفهوم التطبع (الهابيتوس) من خلال مُحدِّدٍ آخر هو رأس المال ولا سيما رأس المال الثقافي، فإذا كان رأس المال في دلالته الاقتصادية يعني امتلاك الثروات المادية أو المالية بوصفها عنصرا مهما في تشكيل المجتمع والعلاقات الاجتماعية حيث يهيمن من خلاله المالكون على المُعْدمين، فثمة أنواع أخرى من رأس المال التي تلعب دورا مهما في الديناميكية الاجتماعية، ويقصد بورديو تحديدا رأس المال الثقافي المتشكل من مجموعة من الخيرات الرمزية التي تحيل، من جهة، على المعارف المكتسبة التي تتجلى في الحالة اللَّدُنية (أو الفطرية) "L’état incorporé" عبر شكل من الاستعدادات الدائمة للشخص (ككونه كفؤا في أحد ميادين المعرفة، وكونه مثقفا، وتحكمه في اللغة، والبلاغة ، ومعرفته للعالم الاجتماعي واندماجه فيه وفي قوانينه...) كما تحيل، من جهة أخرى، على الانجازات المادية أي رأس المال في الحالة المُوَضْعَنة "L’état objectivé"، من خلال وراثة الخيرات الثقافية (اللوحات، الكتب، القواميس، الأدوات، الماكنات....) وأخيرا يمكن أن يتجسد رأس المال الثقافي، اجتماعيا، في الحالة المُؤَسَّسِية "L’état insitutionnalisé" من خلال الألقاب العلمية، والمؤهلات، النجاح في المسابقات...الخ والتي تحقق الاعتراف الموضوعي بهذه الكفاءات من طرف المجتمع، (أو الدولة، غالبًا) فالدولة هي التي تُعمِّم هذا الاعتراف، تُشَرْعنه، وتمنحه، غالبًا، وضعا قانونيا ثابتًا (معلم، أستاذ، قاض، موظف في القطاع العام...). (Chauviré et Fontaine, 2003, PP 12-13)

لقد أراد بورديو أن يوسع مفهوم رأس المال متجاوزا المفهوم الماركسي الضيق الذي يحصره في البعد الاقتصادي المحض، ولهذا "بيَن أن الممارسات (الاجتماعية) لديها اقتصادها الذي لا يمكن اختزاله في العقل الاقتصادي (أي المادي) وبهذا وسع مفهوم رأس المال. (Gazier, 2006, P 23)

وفي هذا السياق يميز بورديو بين ثلاثة أنماط من رأس المال، رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي، ورأس المال الاجتماعي، وكلها يمكن أن ترتد إلى نمط من رأس المال الرمزي (Gazier, 2006, P 23)

فرأس المال الاقتصادي هو - حسب بورديو الذي يخالف ماركس- يمثل الثروة بالقدر ذاته الذي يمثلها رأس المال الثقافي.. فمحددات رأس المال الاقتصادي هي رأس المال النقدي، ورأس المال الثقافي (التكنولوجي والقضائي والتنظيمي)، ورأس المال التجاري، ورأس المال الاجتماعي، ورأس المال الرمزي. (Gazier, 2006, P 24)

أما رأس المال الاجتماعي فيعني مجموع الثروات الكائنة أو المحتملة والمتعلقة بامتلاك شبكة دائمة من العلاقات المتفاوتة في رسميتها... أي الانتماء إلى مجموعة هي كتوليفة من العاملين الذين لا يتميزون فحسب بخصائصهم المشتركة، بل أيضا بارتباطاتهم الدائمة والنفعية.

أما رأس المال الرمزي بوصفه "ناتجا عن التحول من علاقة القوة إلى علاقة معنوية"، فليس -حسب بورديو- إلا رأس المال الاقتصادي أو الثقافي حينما يتم التعرف إليه والاعتراف به حسب أصناف الإدراك التي يفرضها.  (Gazier, 2006, P 24)

نفهم من ذلك أن رأس المال الرمزي هو نوع من السلطة المعنوية التي يكتسبها صاحب رأس المال المحدد (أيا كان نوع رأس المال، نقديا "من النقود" أو ثقافيا أو اجتماعيا) فهو السلطة المعنوية التي يكتسبها صاحب رأس المال في حقله الخاص على بقية العاملين في الحقل نفسه.

ولهذا فرأس المال الرمزي لا يوجد حسب بورديو " إلا في وبواسطة التقدير، والاعتراف، والإيمان، والتصديق، والثقة من طرف الآخرين". (Gazier, 2006, P 25)

ورأس المال عامة، والثقافي منه خاصة، لا تتم وراثته أو اكتسابه دون جهود شخصية، إنه يتطلب من العامل داخل الحقل عملا طويلا مستمرا ومدعوما بالتعلم والمثاقفة نشدانا لاكتسابه ليصبح ملكية، ليصبح ذات الفاعل. او على حد عبارة بورديو: "رأس المال الثقافي هو فعل الملكية Avoir حين يتحول إلى فعل الكينونة Etre، حين تتحول الملكية إلى جسد، وتصبح جزءًا مكملا للشخص، هابيتوس"  (Chauviré et Fontaine, 2003, P 13)

هكذا تكتمل "الدائرة التأويلية" للهابيتوس عند بورديو، ويغدو رأس المال -وفي السياق الذي يعني مسار بحثنا نتحدث عن رأس المال الثقافي - محددا أساسيا له، باعتبار الهابيتوس حمّال وجهين: فهو من جهة استعداد فطري، وتطبع أصلي بثقافة ومهارات لغوية موروثة، فالعربي، مثلا،  يملك بالتأكيد ثقافة تراثية محلية وفولكلورية، وخبرة باللهجة واللغة لا يمتلكها الغربي الذي لا بد أن يقضي شطرا كبيرا من عمره في اكتساب هذه المهارات، ولكنه بعد اكتسابها والتمرس بها سيمتلك هذا الهابيتوس أو التطبع، باعتباره عاملا معترفا به وذا سلطة رمزية في حقل الدراسات الاستشراقية.

 انطلاقا من المحددات السابقة أي الحقل في معناه العام، والهابيتوس، ورأس المال والإيمان القبلي (L’illusio) يمكننا أن نستشرف ماهية الحقل الأدبي في تصور بورديو.

فما هو الحقل الأدبي عنده؟

   الحقل الأدبي عند بورديو هو "حقلٌ من القوى الفاعلة في الذين يدخلون إليه وبطريقة متباينة حسب الموقع الذي يحتلونه (إِمَّا، حين نتناول نقطتين شديدتي التباعد، موقع كاتب مسرحيات ناجحة، وإمَّا موقع شاعر طليعي) وهو في الوقت نفسه حقل لصراعات تنافسية تهدف إلى الحفاظ على حقل القوى هذا أو تحويله. والمواقف المتخذة (من خلال الأعمال، أو البيانات أو المظاهرات السياسية...الخ) والتي يمكننا ويجب علينا التعامل معها بوصفها "نظاما" من التعارضات من أجل احتياجات التحليل، ليست نتيجة لشكل معين من الاتفاق الموضوعي ولكنها نتاج ورهان لصراع مستمر. وبعبارة أخرى فإن المبدأ الناظم والمُوحِّد لهذا "النظام" هو الصراع نفسه".( Bourdieu, Les règles de l'art,1992, P 323)

   والتوافق بين مختلف المواقع والمواقف لا يتأسس بشكل مباشر، بل عن طريق توسُّط نظامين من الاختلافات، ومن التباعدات المتمايزة، والتعارضات الدقيقة التي أُدْمجا (أي نظاما الاختلافات) فيها. (وسنرى أن مختلف الأجناس والأساليب والأشكال والطرق...الخ تمثل كل منها بالنسبة للأخرى ما تمثله العلاقة بين كتابها أنفسهم). إن كل موقف (موضوعاتي، أو أسلوبي...الخ) يتم تعريفه (موضوعيا وأحيانا قصديا) قياسًا إلى عالم المواقف، وقياسا إلى الإشكالية بوصفها فضاءً للممكنات الموجودة هناك تصريحا أو تلميحا، إنها تتلقى قيمتها المميِّزة من علاقتها السلبية بالمواقف المتعايشة التي تمثل، بشكل موضوعي، مرجعيتها. وهي المواقف التي تحدّدُها من خلال حصر مجالها. وينتج عن ذلك، مثلا، أن معنى وقيمة موقف ما (جنس فني، عمل خاص...الخ) يتغيران بشكل آلي، حتى ولو ظل الموقف هو نفسه، حينما يتغير عالم الخيارات القابلة للاستبدال بينها، والمتاحة، في وقت واحدٍ، لاختيار المنتجين والمستهلكين" (Bourdieu, Les règles de l'art,1992, PP 323-324) وينتج عن هذا التحليل كما تقول جيزال سابيرو Gisèle Sapiro أن ثمة "تجانسا بين فضاء المواقع وفضاء المواقف". (Sapiro, 2014, P 24)

  إن حديث بورديو المغرق هنا في التجريد والغموض النظري احتاج منه إلى أن يكتب بعده ما يشبه الحاشية الشارحة بخط دقيق الحجم مستشهدا بالحقل الأدبي الفرنسي خلال القرن 19 ليستوعب المتلقي مفاهيمه المركبة والشديدة التعقيد، وكذلك ليتبين الدلالات الدقيقة والقيمة الإجرائية لمصطلحاته التي تتواشج بطريقة تجعل من العسير حقا فهمها، فليس من اليسير على القارئ العابر أن يستوعب مفاهيم من قبيل التعارضات ونظام الاختلافات وفضاء الممكنات والفرق بين المواقع والمواقف. ولعل القارئ العربي يستوعب النظرية الحقلية المعقدة ومصطلحاتها، بشكل أفضل، من خلال شواهد الحقل الأدبي العربي نفسه.

   لنفترض أن ثمة كاتبا شابا في الحقل الأدبي العربي يريد فرض نفسه، ويريد دخول الحقل محفَّزًا بإيمانه القبلي Son Illusio بجدوى الأدب، سيجد نفسه يحتل موقع التابع (أو الوافد الجديد) وما منحه شرعية الدخول هو التطبع (الهابيتوس) الخاص به أي استعداداته ومهاراته الكتابية، وهو بالتالي يمتلك رأسمالا لدُنِيًّا أو فطريا  Un Capital incorporé، باعتباره موهوبا في فن كتابي معين حصل بموجبه على اعتراف بعض النقاد أو الصحف أو قسم من القراء مثلا، لا شك أنه بدخوله الحقل قد دخل حقل صراعات على المواقع : أي صراعات بين العاملين المنتمين للحقل -من أصغر كاتب مغمور إلى أكثرهم شهرة ونفوذا- على مواقع الكتاب المهيمنين المتمتعين بالنفوذ والاعتراف والكلمة الفصل، أي رأس المال الرمزي الذي يخولهم السلطة الرمزية داخل الحقل. ورأس المال الرمزي هذا يمكن الحصول عليه بعدة طرق، خاصة البحث عن التكريمات والأوسمة والجوائز والاعتراف النقدي من خلال الدراسات والبحوث والمؤتمرات التي تعقد حول أعمال الكاتب...الخ وهذه الطرق من شأنها أن تكرس للعامل داخل الحقل المزيد من الاعتراف والسلطة وبالتالي الهيمنة الرمزية

   لنفترض أيضا أن الوافد الجديد يريد كتابة رواية ثورية، ولتكن مثلا دعوة إلى التحرر الجنسي، أو التحرر من التقاليد والعقائد السائدة، سعيا إلى قلب المواقع داخل الحقل، وبحثا عن التصدر والهيمنة من خلال ريادة تيار جديد: نحن هنا بإزاء عامل يحتل موقع التابع داخل الحقل (أو الوافد الجديد)، والموقف الذي يقبل عليه لا يمكن أن يُنجز إلا بتعريضه للإقصاء من الحقل لأن هناك ما يسمى بفضاء الممكنات L’espace des possibles، أي ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله أو بعبارات بورديو "المواقف المتخذة الممكنة وضدها". وفضاء الممكنات هذا قابل للتغير بتغير المنتجين والمستهلكين فالموقف نفسه في البيئة الأوروبية، مثلا، لن ينتج رد الفعل الإقصائي نفسه.

   لكن الوافد قد ينجح - خلال ظروف تاريخية معينة- في قلب المواقع من خلال موقف جذري يسمح به فضاء الممكنات مثل ملل القراء من نمطية شكل أدبي معين "كرتابة القصيدة العمودية مثلا" وهذا عينُ ما فعله رواد شعر التفعيلة من خلال ثورتهم الجذرية على القالب الخليلي العمودي، وقد تفاعل قسم كبير من محتلي مختلف المواقع داخل الحقل الأدبي الشعري والنقدي معهم إيجابا، مع رفض قسم آخر لتلك الثورة الشكلية بوصفهم ممثلي الأرثوذكسية الأدبية والمهيمنين السابقين على الحقل كموقف العقاد السلبي من صلاح عبد الصبور وأحمد معطي حجازي مثلا وكان بحكم عضويته في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب مقررا للجنة الشعر يرفض أشعار حجازي وعبد الصبور وأمثالهما ويحيلها إلى لجنة النثر (ينظر: عصفور، 2009، ص 164) ، ولكن المهيمنين الجدد على الحقل قد يتحولون بدورهم إلى قوة أرثوذكسية جديدة تسعى للحفاظ على هيمنتها ورأسمالها الرمزي ضد هرطقة الوافدين الجدد كموقف أحمد عبد المعطي حجازي السلبي من قصيدة النثر مثلا بعد أن تحول من وافد إلى مهيمن على الحقل الأدبي،  (ينظر: أحمد حجازي، قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء، 2008).

  وكل هذه التحولات التاريخية في فضاء الحقل الأدبي العربي تؤكد فرضية بورديو أن المبدأ الناظم للعلاقات داخل الحقل الأدبي هو الصراع بين مختلف المواقع التي تنبني على التعارضات والمواقف المتعايشة في الوقت نفسه فمواقف المهيمنين متجانسة مع مواقعهم بوصفهم القادة والقدوة وهي مواقف أرثوذكسية محافظة، ومواقع الوافدين الجدد متجانسة مع مواقفهم النازعة للتجديد والهيمنة على الحقل، ولكنها في الوقت نفسه مواقف مبنية على التعايش وتجنب الصدام الذي قد يؤدي إلى الإقصاء من الحقل، فكتاب قصيدة التفعيلة مثلا لم يصطدموا بأنصار القالب الخليلي بقدر ما حاولوا إقناعهم بأنهم ملتزمون بالوزن رغم الثورة الشكلية التي أحدثوها في ذلك القالب، وهذه المواجهة "الناعمة" هي التي ميزت السجال بين صلاح عبد الصبور والعقاد الذي رفض الاعتراف بقصيدة التفعيلة فكان أن رد عبد الصبور على العقاد بمقال جعل عنوانه "موزون والله العظيم" وتعقيب العقاد عليه كان قويا ولكن بدون تجريح. (يُنظر: عامر العقاد، 1970، الصفحات 310-311 )

   لكن هذه التعارضات مؤطرة بفضاء الممكنات الناظم لجميع المواقف، سواء أكانت مواقف المهيمِنين على الحقل أم مواقف التابعين، فلنفترض في المقابل أن أحد المهيمنين في الحقل، مثل شاعر معروف ومكرس نقديا وإعلاميا وجماهيريا، يريد أن يتخذ موقفا جذريا معينا مثل نظْم قصيدة على نمط المعلقات الجاهلية معجما وأسلوبا، فرغم أنه عامل مهيمن إلا أنه لا يمكنه أن يتخذ مثل هذا الموقف وإلا تعرض للسخرية، فهو أيضا محكوم بفضاء الممكنات.

الصراع بين الحقل الأدبي والحقل السياسي

   ينطلق بورديو من مصادرة مهمة في تحليله السوسيولوجي للأدب وهي مبدأ الاستقلال الذاتي النسبي للحقل  L'autonomie relative du champ فثمة "تعارض مُبَنْيِنٌ Opposition structurante للحقل الأدبي هو التوتر بين قوى الاستقلال الذاتي وقوى التبعية فهذه الأخيرة يضطر إلى مقاومتها المدافعون عن الاستقلال الذاتي للحكم الجمالي قياسا إلى الإكراهات الخارجة عن الأدب، الأخلاقية - السياسية أو الاقتصادية" (Sapiro, 2014, P 25)

وربما كان حجر الرحى في مثل هذه التعارضات هو العلاقات المتوترة المبنية على الصدام والإكراه بين كل من الحقلين السياسي والأدبي تحديدا. فالحقل الأدبي حسب بورديو يحتل بالنسبة لحقل السلطة وضع التابع أو المُهَيْمَن عليه (Bourdieu, Les règles de l’art, 1992, P 300)

وقد توصل بورديو عبر تحليله الدقيق والمسهب لرواية "التربية العاطفية" وللحقل الأدبي الفرنسي في القرن التاسع عشر ولا سيما عبر بودلير وفلوبير- وهو التحليل الذي يستحيل قطعا اختزال حيثياته هنا-  إلى أن ذلك الحقل قد حقق استقلاله الذاتي في أواخر القرن التاسع عشر من خلال انتصار تيار"الفن للفن" أو "الفن الخالص" الذي حرر الأدب من الإكراهات السياسية والأخلاقية والاقتصادية أيضا. ففلوبير الذي ترك بطله فردريك في القصة مترددا -وهو صورة فلوبير نفسه في شبابه- قد حسم خياره لصالح الأدب متحررا من سيطرة السلطة والمال. (Bourdieu, Les règles de l’art, 1992, PP 75-164 )

  ولعل نظرة طائر على الحقل الأدبي العربي تؤكد صحة فرضية بورديو حول هيمنة الحقل السياسي على الحقل الأدبي، فالمدرسة الواقعية الاشتراكية التي عمرت طويلا في الأنظمة العربية الجمهورية عبر اتحادات الكتاب التابعة لتلك الأنظمة (مصر وسوريا وليبيا والجزائر وتونس) قد أفضت إلى هيمنة الكتاب والنقاد اليساريين على الحقل الأدبي العربي لعقود، وهي الهيمنة التي لا تزال آثارها إلى اليوم -رغم انكماشها النسبي- من خلال تكريس كتاب يساريين كقادة للأدب والنقد (الطاهر وطار، أمين الزاوي، واسيني الأعرج، إلياس خوري، غسان كنفاني، إدوارد سعيد، عبد الوهاب المسيري في مرحلته الأولى، محمد بنيس، يمنى العيد، فيصل دراج...الخ)   

 

نقد نظرية الحقل الأدبي عند بورديو

 

  تعرضت نظرية الحقل الأدبي عند بورديو لسيل من النقد، فأندريه فورتان Andrée Fortin تنتقد نزوع بورديو إلى درجة عالية من التجريد والتعميم، (Fortin, 1993, P 74) أما لورون موكييلي  Laurent Mucchielli فيعتقد أن رؤية بورديو -رغم أنها مثمرة وضرورية- فهي تظل غير كافية، ولذلك يرى من حق المؤرخين لومه على رؤيته البنيوية الحصرية للظواهر، كما أن بورديو- حسب موكييلي- لا يستشهد غالبا إلا بأعماله وأعمال تلاميذه، رغم أن العلم عمل جماعي. (Mucchielli, 2008, PP 64-65)

  أما غيوم بريدي Guillaume Bridet فيلاحظ أن سوسيولوجيا بورديو تتميز بنوع من الثباتية Fixisme ففكره لم يعرف التنوع طيلة أربعين سنة، ويرى أن بورديو حين يستبدل - في مقاربة الأدب- نظرية الطبقات الاجتماعية بنظرية الحقل لا يقوم، في الواقع، سوى باستبدال نظرية انعكاسية بأخرى. (Bridet, 2002,P 111)

   ولعل النقد الأقرب للموضوعية الذي يمكن أن نوجهه إلى عمل بورديو في "قواعد الفن" -بعيدا عن الانتقادات السابقة- هو أنه يتكئ في منحاه الإجرائي على مصادرة قلما تم الانتباه إليها حيث يستند على فرضية لا يمكن الاعتداد بها في مثل مقاربته ذات النزعة العلمية، لأنه يفترض أن الشخصية التخييلية في رواية "التربية العاطفية" أي "فردريك" هو "فلوبير" نفسه في شبابه، مزحزحا مدونته المدروسة -قَسْرًا- من نوع أدبي هو "الرواية" إلى نوع لم تدع أبدا الانتماء إليه هو السيرة الذاتية الواقعية!

والواقع أن منهج بورديو لن يكون مثمرا -في تقديرنا المتواضع-إلا بوصفه فرعا من التاريخ الأدبي يتناول القضايا الأدبية من منظور جدلي كقضية الصراع بين الأجيال الأدبية، وعلاقات التعايش والتنافس بين المدارس الأدبية، وتقاطعات الحقل الأدبي مع بقية الحقول السياسية والثقافية والدينية...الخ، أما إسقاط مفهوم الحقل على عمل أدبي تخييلي كما فعل بورديو فهو خلل منهجي واضح لأن ثمة فرقا واضحا بين المرجعية والدلالة في أي عمل أدبي، فمهما ادعى الكاتب أن مرجع أحداثه تاريخي أو واقعي فإنه يظل على مستوى الدلالة عملا تخييليا إلا إذا صرح الكاتب بعبارة لا تقبل اللبس أن عمله هو سيرة ذاتية. ولعل بعض من استلهموا منهج بورديو لم يسلموا أحيانا من الوقوع في الخلل المنهجي نفسه، مثل الناقد والمستعرب الفرنسي ريشار جاكمون Richard Jacquemond في دراسته لرواية "أولاد حارتنا".(ينظر: جاكمون، 2003، الصفحات 118-132)                                      

لكن رغم الانتقادات التي يمكن ان تطال منهج كتاب قواعد الفن ومحتواه إلا أنه - في قسم معتبر منه على الأقل- يقدم لنا إحدى النظريات الكبرى لعلم اجتماع الأدب وربما كانت الأقوى منذ انهيار الماركسية العلمية كما يقول دوني سان جاك Denis Saint-Jacques، فهو حسبه كتاب لا يمكن تجاوزه. (Denis Saint-Jacques, 1993, P 75)

 

خاتمة:

    تمثل نظرية الحقل الأدبي كما صاغها بورديو رافدا نظريا وإجرائيا مثمرا في سياق الدرس التاريخي للأدب، وقد انطلق بورديو في تشييد نظريته -كما لاحظنا- من مصادرة سوسيولوجية لأنه مهد لمشروعه بنقد الآراء التي ترفض المقاربة السياقية للأدب متناسيا أنها إنما ترفض تلك المقاربات لا لذاتها بل بوصفها بدائل للنقد الأدبي.

  وقد رصدنا مفهوم الحقل عامة بوصفه فضاءات لمواقع يحتلها شاغلون تتفاوت مواقعهم في الحقل بين مهيمنين ووافدين جدد أو تابعين، والمبدأ الناظم لكل الحقول هو الصراع بين المهيمنين الذين يمثلون القيم الموروثة (الأرثوذكسية) والوافدين الذين ينزعون إلى التجديد وقلب القيم عبر تحقيق شرط أولي هو التطبع (الهابيتوس) ثم عبر اكتساب رأس المال الرمزي الذي يخول لهم التقدم إلى مواقع الهيمنة. ولكن الصراع داخل الحقول محكوم بفضاء الممكنات، وهذه المفاهيم العامة تنسحب على الحقل الأدبي بوصفه حقلا للصراعات بين المهيمنين على الحقل والوافدين الجدد عليه. وقد استأنسنا في بيان مفاهيم بورديو ومصطلحاته المعقدة بأمثلة من الحقل الأدبي العربي، وختمنا مقالنا باستعراض بعض الانتقادات الموجهة إلى نظرية الحقل الأدبي عند بورديو، لكن نقدنا الشخصي انصب على خلل منهجي وقع فيه بورديو حيث بنى مقاربته الإجرائية على فرضية لا يمكن إثباتها وهي أن بطل مدونته المدروسة أي  رواية "التربية العاطفية" لفلوبير هو نفسه فلوبير في شبابه، وربما كان أنسب مجال لدراسة الحقل الأدبي -في تقديرنا- هو التاريخ الأدبي وعلاقات الصراع والتعايش بين المدارس الأدبية والنقدية وتقاطعات الحقل الأدبي مع غيره من الحقول.

المراجع العربية:

         1-البنكي، محمد أحمد، دريدا عربيا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2005.

al-Bankī, Muḥammad Aḥmad, Dirīdā ʻArabīyan, al-Muʼassasah al-ʻArabīyah lil-Dirāsāt wa-al-Nashr, Bayrūt, Ṭ1, 2005

2-جاكمون، ريشار، ثورة التخييل وتخييل الثورة: قراءة جديدة في أولاد حارتنا، مجلة ألف Alif، تصدر عن الجامعة الأمريكية في القاهرة،  

   العدد 23 ، سنة 2003.

Jākmwn, Rīshār, Thawrat al-takhyīl wtkhyyl al-thawrah Qirāʼah jadīdah fī Awlād ḥāratinā, Majallat alif, Taṣdur ʻan al-Jāmiʻah al-Amrīkīyah fī al-Qāhirah, , al-ʻAdad 23 Sanat 2003

3-الجوهري، محمد، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010.

al-Jawharī, Muḥammad, Muʻjam muṣṭalaḥāt al-ʻUlūm al-ijtimāʻīyah, al-Markaz al-Qawmī lil-Tarjamah, al-Qāhirah, 2010.

4-حجازي، أحمد عبد المعطي، قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء، كتاب دبي الثقافية، ط1، نوفمبر 2008.

Ḥijāzī, Aḥmad ʻAbd al-Muʻṭī, Qaṣīdat al-nathr aw al-qaṣīdah al-Kharsāʼ Kitāb Dubayy al-Thaqāfīyah, Ṭ1, Nūfimbir 2008

5-سكوت، جون، علم الاجتماع. المفاهيم الأساسية، ترجمة محمد عثمان، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، ط1، 2009.

Sakkūt, Jūn, ʻilm al-ijtimāʻ. al-mafāhīm al-asāsīyah, tarjamat Muḥammad ʻUthmān, al-Shabakah al-ʻArabīyah lil-Abḥāth, Bayrūt, Ṭ1, 2009.

6-شوفالييه ستيفان ، شوفيري كريستيان ، معجم بورديو، ترجمة الزهرة إبراهيم، النايا، سورية، دار الجزائر، ط1، 2013.

Shwfālyyh styfān, shwfyry Krīstīyān, Muʻjam bwrdyw, tarjamat al-Zahrah Ibrāhīm, al-Nāyā, Sūrīyah, Dār al-Jazāʼir, Ṭ1, 2013.

7-عصفور، جابر، في محبة الشعر، الدار المصرية اللبنانية، 2009.

ʻUṣfūr, Jābir, fī maḥabbat al-shiʻr, al-Dār al-Miṣrīyah al-Lubnānīyah, 2009

8-العقاد، عامر، لمحات من حياة العقاد، ط2، دار الشعب، القاهرة، 1970

al-ʻAqqād, ʻĀmir, Lamaḥāt min ḥayāt al-ʻAqqād, ṭ2, Dār al-Shaʻb, al-Qāhirah, 1970

9-فيريول، جيل، معجم مصطلحات علم الاجتماع، ترجمة أنسام محمد الأسعد، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط1، 2011.

Fyrywl, jīl, Muʻjam muṣṭalaḥāt ʻilm al-ijtimāʻ, tarjamat ansām Muḥammad al-Asʻad, Dār wa-Maktabat al-Hilāl, Bayrūt, Ṭ1, 2011.

       المراجع الأجنبية:

1-Bourdieu, Pierre, Les règles de l'art, Genèse et structure du champ littéraire, Éditions du Seuil, Paris,

Septembre 1992.

2-Bourdieu, Pierre, Questions de sociologie, LES ÉDITIONS DE MINUIT, Paris, 2002.

3-Bourdieu, Pierre, avec Loic ]. D. Wcquant, Réponses, Pour une anthropologie réflexive, Éditions du Seuil, Paris, 1992.

4-Bourdieu, Pierre, Esquisse d'une théorie de la pratique, précédé de Trois études d'ethnologie kabyle,

Éditions du Seuil, Paris, 2000.

5-Bridet, Guillaume, De quelques dérèglements dans les règles de l'art, Les Temps Modernes, 2002/2 n°

618

6-Champagne, Patrick et Christin ,Olivier,  PIERRE BOURDIEU, UNE INITIATION, Presses universitaires de Lyon, 2012.

7-Chauviré Christiane, Fontaine Olivier, Le vocabulaire de Bourdieu, ellipses, Paris, 2003.

8-Fortin, Andrée, Pierre Bourdieu. Les règles de l’art, Nuit blanche, le magazine du livre, Numéro 51,

mars–avril–mai 1993

9-Gazier, Jean-Philippe (Dir), Abécédaire de Pierre Bourdieu, Les Éditions Sils Maria, Belgique, 2006.

10-Mounier, Pierre,  Pierre Bourdieu, Une introduction,, Pocket /La Découverte, Paris, 2001.

11-Mucchielli, Laurent, À propos de… « Les Règles de l'art. Genèse et structure du champ littéraire »,in

Jean-François Dortier, Pierre Bourdieu, Editions Sciences Humaines,2008

12-Saint-Jacques, Denis, Pierre Bourdieu. Les règles de l’art, Nuit blanche, le magazine du livre, Numéro

51, mars–avril–mai 1993

13-Sapiro, Gisèle, La sociologie de la littérature, La découverte, Paris, 2014.

 



(1) جامعة قسنطينة 1 (الإخوة منتوري) (الجزائر)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire