Nombre total de pages vues

lundi 13 avril 2026

من سرديات "جونات" إلى السرديات التلفظية

 من سرديات "جونات" إلى السرديات التلفظية
From Genette’s narratology to enunciative narratology

       رياض بن يوسف[*]

Riad Benyoucef1


مجلة إشكالات، جامعة تمنراست، مجلد 15، عدد 1، مارس 2026

 




   يصوغ "جيرار جونات" Gérard Genette نظرية سردية متكاملة تقوم على خمس مفردات أساسية تغطي مكونات الخطاب السردي، وهي الترتيب، والمدة، والتواتر، والصيغة، والصوت. وما نسعى إليه من خلال هذا المقال هو العرض المفصل لنظرية "جونات" قبل الإلماع إلى أهم الانتقادات التي تعرضت لها نظريته، ولا سيما من طرف دعاة فرع معرفي لساني جديد سُمّي ب "السرديات التلفظية". وقد لاحظنا أن "السرديات التلفظية" -رغم النقد الحاد الذي قدمته لنظرية "جونات"- لا يمكنها أن تعد بديلا لسرديات "جونات" الكلاسيكية بسبب هيمنة القضايا اللسانية عليها، وغياب أهم مكونات "السردية= La narrativité" في تحليلاتها. فالسرديات التلفظية تكاد تقصر بحثها في السرديات على قضايا الراوي والضمائر النحوية وأزمنة الفعل، مهملة قضايا الزمن والحبكة السردية. فهي في المحصلة النهائية لا يمكن أن تحل محل النقد الأدبي للسرد ولا نظرية "جونات"، بل تظل مجرد فرع من لسانيات التلفظ. 

الكلمات المفتاح : جونات، السرديات، التلفظية، باترون، اللسانيات

 Abstract :

The French narratologist Gérard Genette develops his narrative theory based on five fundamental concepts: order, duration, frequency, mood and voice. But, these concepts have been highly criticized by his contemporaries, especially by the founders of what is called enunciative narratology. The aim of our study is first to give an exposition of the Genette's theory on narrative, before addressing the enunciative theory which remains in our opinion a purely linguistic approach to narrative, because its tools for narratological analysis are very limited since they essentially focus on grammatical and linguistic questions such as verb tenses, the point of view and the notion of the narrator, by neglecting the narrativity whose main pillars are time and plot. So enunciative narratology could never replace Genette's narratology,

Keywords: Genette, narratology, enunciative, Patron, linguistics

 

 

المقدمة:

  يصوغ "جيرار جونات Gérard Genette" مشروعه النقدي انطلاقا من المقارنة بين زمن القصة الفعلي وزمن السرد القصصي، فالفرق بين الزمنين ينتج المفارقة الزمنية أي استحالة التطابق بين زمن القصة كما يفترض أنها قد حدثت في الواقع والقصة المقدمة للقارئ من خلال الخطاب القصصي، وبناء على هذه المفارقة يشيِّد جونات نظريته السردية التي تتمحور حول خمس مفردات أساسية هي الترتيب، والمدة، والتواتر، والصيغة، والصوت.    فإلى أي مدى كان مشروع "جونات" مستجيبا لمقتضيات التحليل الجمالي للسرد؟ وهل كان مشروعه الذي تمت مساءلة أسسه وجدواه من طرف معاصريه ومن جاؤوا بعده، مشروعا يمتلك مناعة ابستيمولوجية وصلابة منهجية، أم أن الدراسات اللاحقة، ولا سيما تلك التي انضوت تحت مظلة "السرديات التلفظية" قد تمكنت من تفتيته وتحويره جذريا عبر إخضاع مقولاته وافتراضاته إلى التحليل اللساني الذي سعى إلى استبدال مشروعه واقتراح مصطلح "وجهة النظر" بديلا  لمصطلح "التبئير"، كما سعى إلى النقد الجذري لمفاهيمه حول الصوت السردي ومفهوم الراوي، وكل ذلك وفقا للبراديغم اللساني الذي يبدو أن مشروعه الأساسي يتمحور حول نقل "السرديات" من حقلها الأصلي، أي النقد الأدبي، إلى حقل اللسانيات؟

 

أولاً- مشروع جونات النقدي:

 

   ينبني مشروع "جونات" على المفارقة بين زمن القصة الفعلي وزمن الخطاب القصصي، وانطلاقا من هذه المفارقة يصوغ مشروعه في علم السرد الذي يتمحور حول خمس قضايا أو مفردات هي: الترتيب Ordre، والمدة Durée، والتواتر Fréquence، والصيغة Mode، والصوت Voix.

 

1- الترتيب: يبني "جيرار جونات" نظريته بناء على المفارقات الزمنية Anachronies، فدراسة النظام الزمني للسرد عنده تعني مقارنة نظام ترتيب الأحداث أو المقاطع الزمنية للخطاب السردي بنظام تتابع الأحداث نفسها في القصة[1] (أي القصة كما يُفْتَرض أن تكون قد حدثت في الواقع بكل تفاصيلها).

وتؤدي المفارقات الزمنية حسب "جيرار جونات" إلى الاسترجاع (أو الارتداد) Analepse ويعني استدعاء حدث سابق للنقطة التي وصلت إليها القصة، والاستباق Prolepse ويعني أن يذكر السارد مقدَّمًا حدثا مستقبليا.[2]

والاسترجاع حسب "جونات" ثلاثة أنواع:

أ‌-      استرجاع خارجي: وهو الاسترجاع الذي تظل سعته كلها خارج الحكاية الأولى.

ب‌-   استرجاع داخلي: وهو الاسترجاع الذي تقع سعته داخل الحكاية الأولى.

ج- استرجاع مختلط: وهو الذي تكون نقطة مداه سابقة لبداية الحكاية الأولى ونقطة سعته لاحقة لها.[3]

   والسعة L’amplitude عند جونات تقابل المدى La portée وتبسيطا لمفهوميهما يمكن أن نقول أن السعة تعني المدة الزمنية التي تشغلها الأحداث التي تم استرجاعها أو استباقها، أما المدى فيعني مقدار البعد الزمني للأحداث -التي تم استرجاعها أو استباقها- عن زمن الحكاية الأصلية. وللتمثيل على ذلك يمكننا الاستئناس بقصة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا افترضنا أن السارد حدد زمن بداية الحكاية بكفالة عمه أبي طالب له، ونهايتها بفتح مكة، فإن استرجاعه لحادثة أبرهة مثلا سيكون من نمط الاسترجاع الخارجي، وإذا افترضنا أن حادثة أبرهة قد استغرقت بضعة أشهر بداية من مسير أبرهة في جيشه نحو الكعبة حتى هزيمته ثم موته، فإن هذه المدة التي استغرقتها الحادثة هي ما يسميه "جونات" السعة، أما المدى، فهو المدة التي تفصلها عن زمن الحكاية الأصلية وهي كما افترضناها هنا تبدأ بكفالة أبي طالب للنبي اليتيم عليه الصلاة والسلام. فالمدى هنا، أي البعد الزمني بين حدث الكفالة وحادثة أبرهة، يساوي سنوات عديدة. وغني عن البيان أن هذين المصطلحين مهمان لفهم المفارقات الزمنية وأنواع الاسترجاع والاستباق، ولذلك خصهما "جونات" بعنوان فرعي مستقل.[4]   

والاستباق بدوره ينقسم إلى نوعين:

أ‌-       استباق خارجي تقع سعته خارج الحكاية الأولى.

ب‌-   استباق داخلي تقع سعته داخل الحكاية الأولى.[5] 

 

2 - المدة: بسبب استحالة التطابق بين زمن القصة الحقيقي وزمن السرد الافتراضي، يلجأ القاص إلى تقنيات سردية لتجاوز هذه المفارقة، وقد توصل "جونات" من خلال تحليل مسهب لمقاطع من رواية "بحثا عن الزمن الضائع" ل"مارسيل بروست" إلى حصر تلك التقنيات فيما سماه الحركات السردية الأربع  Les quatre mouvements narratifs وهي: المجمل Sommaire والوقفة Pause والحذف Ellipse والمشهد Scène.[6]

أ‌-      المُجْمَل: ويعني أن يتمَّ في بعض صفحات أو فقرات سرْد أيام أو شهور أو سنوات، دون تفاصيل تتعلق بالأفعال أو الأقوال.

ب‌-    الوقفة: إذا كانت الوقفة تعني في الأساس عدم توافق أي مقطع ما من الخطاب السردي مع أية مدةٍ في القصة، أو بعيارة أخرى إذا كانت الوقفة الوصفية تعني توقف زمن السرد لأن القاص يتوقف عن سرد الأحداث ليصف الأماكن أو الأشخاص، فإن "جونات" يلاحظ -بناءً على تحليله لمقاطع سردية من رواية "بروست" "بحثا عن الزمن الضائع"- أن الوقفة الوصفية عنده لا تعني تعليق زمن القصة أو توقف السرد، فالوصف عند بروست يمثل وقفة تأملية للبطل نفسه، وبالتالي فلا يُفلت المقطع الوصفي من زمنية القصة.[7] 

   إن الملاحظة التي يقدمها "جونات" هنا مهمة جدا، وربما كانت ثورية، فالوقفة الوصفية تختلف من ساردٍ لآخر، فقد يُحْسن السارد دمْج هذه الوقفة في مسار الحبكة حين يكون الوصف منبثقا من تأمل استبطاني للمشهد، فإذا افترضنا أن الوقفة الزمنية تتضمن وصف البطل لبيت طفولته وقد طاله التغيير، أو وجه أمه المريضة وما عراه من شحوب وصفرة مثلا، فإن "الوقفة" الوصفية هنا تغدو جزءًا من الزمن الداخلي للبطل، بوصفها وقفة تسجل انطباعاته وتأثره بالمشهد، وبالتالي فهي لا توقف زمن السرد. لأن السارد إنما ينتقل هنا من الزمن الخارجي، زمن الأحداث الخارجية، إلى الزمن الداخلي، زمن الحدث النفسي. فانفعالات الإعجاب والنفور أو التعاطف أمام مشهد هي وقائع أو أحداث نفسية، ولن تكون "الوقفة" الوصفية تعليقا مؤقتا لزمن السرد إلا حين يكون السارد الواصف محايدا يسعى إلى إيهام القارئ بواقعية القصة، ومن أمثلة ذلك مشاهد وصف الأبنية والشوارع والأسواق في كثير من الروايات.

يمكننا القول إذن، تنويعا على ما يقترحه "جونات"، أن الوقفة الوصفية نوعان:

    ب-1: وقفة وصفية زمنية: حين يكون الوصف نابعًا من التأمل الاستبطاني للبطل، وانطباعاته الشخصية.

    ب-2: وقفة وصفية سكونية: حين يكون الوصف محايدا، يهدف إلى الإيهام بواقعية القصة، فما يصفه السارد في هذه الحالة هو ما يُفترض أن يستطيع رؤيته أي شخص لا فرد بعينه.

   ج- الحذف: يعني كما يعرفه "جونات" زمن القصة المحذوف، ومن وجهة النظر الشكلية يمكن

 -حسبه- التمييز بين نوعين من الحذف:

  ج 1- الحذف الصريح: وتتم فيه الإشارة إلى زمن القصة المحذوف، سواء بتحديده (وبعد ثلاث سنوات...) أو دون تحديده (وبعد بضع سنوات...).  

 ج 2- الحذف الضمني: وهو الذي لا يُذْكر في النص بل يفهمه القارئ من السياق، فقد نقرأ في فصل من رواية عن فترة مراهقة البطل، وفي الفصل اللاحق نكتشفه رجلا ورب أسرة دون أن يشير السارد أدنى إشارة إلى الفاصل بين الزمنين.[8]

 

 د- المشهد: أبسط تعريف للمشهد أنه "مقطع سردي غالبا ما يكون حواريا أو مستنسخًا من الحدث. وتتطابق فيه نسبيا مدة السرد مع مدة القصة".[9]

   ولا يوجد حسب "جونات" في المشهد الحواري إلا مساواة عرفية بين زمن السرد وزمن القصة الحقيقية لأن ما يمكن تأكيده عن المقطع المشهدي (أو الحواري) أنه ينقل ما تم قوله حقيقة أو تخييلا، لكنه لا يعيد السرعة التي قيلت بها العبارات، ولا الأوقات الميتة المحتملة للمحادثة.[10]

  لكن المشهد لا يقتصر على المقاطع الحوارية بل يشمل "الوَصْف المُبَأَّر" الذي ينتج عنه "تضخم نصي" فيقترب حجم السرد من حجم القصة أو يكاد.[11]  ومن أمثلة المقاطع الوصفية القريبة من المشهد، هذا المقتطف الذي يورده "معجم السرديات" من رواية "الزيني بركات" للغيطاني:

    هواء خفيف عذب يحمل إلى الآذان دقات طبل وأصوات منادين آخرين، نداءات توقظ النيام، تفكّ تلامس الجفون، عمال الحمامات يخرجون، عمال المستوقدات المجاورة، باعة لبن، باعة فول، يتوقفون، تصغي الآذان، النساء يصحن مناديات بعضهن البعض، بائعة بليلة تزعق في حارة الميضة التي فتحت بوابتها منذ قليل، فجأة لا تنادي المرأة على البليلة إنما تنقل الخبر بصوتها المرتفع، الرؤوس تطل من الأبواب الصغيرة في الحجرات الصغيرة داخل الربوع الضخمة، أطفال صغار أطراف جلابيبهم بين أسنانهم، يسرعون إلى أين بالضبط؟ لا أحد يدري..[12]

  لكن بعض الدراسات تقصر "المشهد" على المقطع الحواري فقط سواء الخارجي أو الداخلي "المونولوج".[13]

3 - التواتر: يقصد "جونات" بالتواتر السردي علاقات التكرار بين السرد والقصة، فالحدث ليس ممكن الوقوع فقط: بل يمكن أن يقع مرة أخرى او يتكرر، فالشمس تشرق كل يوم.[14]

  ويُجْمل "جونات" أنواع التكرار في أربعة أنماط افتراضية:

 3-1: أن يُروى مرة واحدة ما وقع مرة واحدة، مثل قولنا: بالأمس نمت في ساعة مبكرة.

 3-2: أن يُروى عدة مرات ما وقع عدة مرات، كقولنا: يوم الاثنين نمت باكرا، يوم الثلاثاء نمت باكرا، يوم الأربعاء نمت باكرا.

  3-3: أن يروى عدة مرات ما وقع مرة واحدة مثل قولنا: بالأمس نمت باكرا، بالأمس نمت باكرا، بالأمس نمت باكرا.

 ه-4: أن يُروى مرة واحدة ما وقع عدة مرات كقولنا: خلال كل أيام الأسبوع نمت في ساعة مبكرة.[15]

4 - الصيغة: ينطلق "جونات" في تعريف الصيغة من تعريف "ليتري" لها في معجمه: "اسم يطلق على مختلف أشكال الفعل المستعملة لتأكيد الشيء قليلا أو كثيرا، وللتعبير عن مختلف وجهات النظر التي يُلاحَظ من خلالها الوجود أو الفعل". وهو تعريف يعده "جونات" ثمينا جدا، فنحن نستطيع -كما يقول- أن نروي قليلا أو كثيرا مما يُرْوى، ويمكننا أن نرويه حسب وجهة النظر هذه أو تلك. وهذه القدرة، وكيفيات ممارستها هي ما يقصده بالصيغة السردية: فالتمثيل، أو الإخبار السردي له درجات، لأن السارد يمكنه أن يمنح القارئ قليلا أو كثيرا من التفاصيل، وبشكل أشد أو أقل مباشرة، وهكذا يتخذ مسافة تبتعد أو تقترب مما ترويه.[16]

  كما أن السارد يستطيع ضبط المعلومة (الخبر) التي يمنحها... حسب قدراته المعرفية المتعلقة بهذا الجزء أو ذاك من القصة (الجزء المتعلق بشخصية أو شخصيات من القصة) حيث يتبنى ما نسميه في اللغة الشائعة "رؤيتها" أو "وجهة نظرها" (أي رؤية أو وجهة نظر الشخصيات) فيبدو السارد هكذا وقد اتخذ إزاء القصة منظورا معينا Perspective.

المسافة Distance والمنظور هما إذن الطريقتان الأساسيتان لضبط الخبر السردي.[17]

5- المسافة: طُرحت هذه الإشكالية حسب "جونات" منذ "أفلاطون" الذي يقابل في الكتاب الثالث من "الجمهورية" بين صيغتين سرديتين هما السرد الخالص Récit pur (ويرادفه مصطلح Diégésis) الذي يتحدث فيه الشاعر باسمه دون أن يحاول إقناعنا بأن شخصا آخر يتكلم، والمحاكاة Mimésis التي يجتهد فيها لإيهامنا بأنه ليس هو المتكلم، كما في الحوار المسرحي، ويخْلص "جونات" من ذلك إلى أن السرد الخالص يقع على مسافة أبعد من المحاكاة، فهو يقول أقل منها وبتدخل أكبر من السارد.[18] 

 وتمت استعادة هذه القضية -فجأة- كما يقول "جونات" في النقدين الإنجليزي والأمريكي خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من طرف "هنري جيمس" تحت تسميتيْ (العَرْض Showing)  و(القول Telling)، لكن "واين بوث" في كتابه "بلاغة الرواية" انتقد هذا التحديث للمفهوم الأرسطي المتعلق بالمحاكاة، وقد انضم "جونات" إلى "وأين بوث" في هذا النقد باعتبار مفهوم العرض وهميا تمامًا...فخارج التمثيل الدرامي (المسرحي) لا يوجد سرد يمكنه أن يُظهر أو يقلد الحكاية التي يرويها، لأن السرد واقع لغوي، واللغة تدل دون أن تقلِّد، إلا إذا كان الموضوع المروي من اللغة نفسها أي الكلام الذي تنطق به الشخصيات.[19]

 إن الخلاصة التي يصل إليها "جونات" من مناقشته لآراء "أفلاطون" و"أرسطو" هي أن السارد إما أن يروي لنا أحداث القصة، أو ينقل لنا أقوال الشخصيات، ولهذا تنقسم القصة عند إلى نوعين هما حكاية الأحداث وحكاية الأقوال.

أ- حكاية الأحداث: وهي -حسب "جونات"- تظل سردًا مهما كانت صيغتها، أي نقلا بواسطة الكتابة لما هو غير لفظي، أو يفترض أنه غير لفظي، إلى لفظي. ومحاكاته لن تكون أبدًا إلا إيهاما بالمحاكاة.

ب- حكاية الأقوال: وتنقسم حسب "جونات" إلى ثلاثة أنواع:

ب.1- الخطاب المُسَرَّد أو المَرْويّ (Le discours narrativisé, ou raconté): وهو طبعا الأبعد مسافة والأكثر اختزالا لما يرويه. وذلك مثل أن يقول السارد: "أخبرت صديقي في الهاتف بمرض علي". دون أن يذكر لنا الحوار الذي دار بينهما.

ب.2- الخطاب المنقول بالأسلوب غير المباشر (Le discours transposé au style indirect): وهو نوعا ما أكثر محاكاة من الخطاب المروي، أو أكثر شمولا، ولكنه لا يمنح القارئ أي ضمانة أو شعور بالوفاء الحرْفي للكلمات التي تم التلفظ بها فعلا. وذلك كأن يقول السارد: "أخبرت صديقي في الهاتف بمرض علي فتفاجأ، واقترحت عليه أن نزوره في المستشفى فوافق".

ب.3- الخطاب المرويّ (Le discours rapporté): وهو الأكثر محاكاة من سابقيه، حيث يتظاهر فيه السارد بإعطاء الكلمة للشخصية.[20] كأن يورد المقطع الحواري الآتي:

-       ألو؟ كيف حالك أحمد؟

-       الحمد لله. هل سمعت بمرض علي؟

-       كلا، إنني أسمعه منك الآن!

-       لقد تم تشخيص إصابته بذات الرئة، وهو راقد في مستشفى "الرحمة" منذ يومين.

-       يا للخبر الحزين!

-       هل يمكنك مرافقتي لزيارته غدا على الخامسة مساء؟

-       بالتأكيد، سنلتقي في المستشفى.

 

  ومن أهم القضايا التي تناولها "جونات" تحت بند "الصيغة" ما يسمى "المنظور"، أي وجهة النظر التي يختارها السارد (أو لا يختارها). فبعد أن يشير إلى أن ما يسميه -مَجازًا -المنظور قد ساد في الدراسات الأدبية خلال القرن التاسع عشر تحت مسمى "وجهة النظر" عند نقاد مثل "بيرسي لوبوك" Percy Lubbock و"جورج بلين" Georges Blin، ينتقد "جونات" الخلط "المزعج" الذي وقعت فيه تلك الأعمال النظرية بين ما يسميه هو الصيغة وبين الصوت. أي بين التساؤل عن ماهية الشخصية التي تقودُ وجهةُ نظرها المنظور السردي (الصيغة) وبين التساؤل عمن هو السارد، أو باختصار، الخلط بين السؤال: من يرى (الصيغة)؟ والسؤال: من يتكلم (الصوت)؟[21]

 وقد استخلص "جونات" التقسيم الثلاثي لزاوية الرؤية، أو وجهة النظر بناءً على تحليله لأعمال النقاد "جون بويون" Jean Pouillon و"تزفيتان تودوروف" Tzvetan Todorov والنقاد الأنجلو سكسونيين:

1- السرد ذو الراوي العليم حسب النقد الأنجلو سكسوني، وهو ما يسميه "بويون" ب"الرؤية من الخلف" وما يرمز له "تودوروف" بالصيغة الآتية: الراوي > الشخصية، حيث يعرف الراوي أكثر مما تعرفه الشخصية.

2- السارد= الشخصية حسب "تودوروف" أو "الرؤية مع" حسب "بويون"، حيث لا يعرف السارد إلا ما تعرفه الشخصية.

3- السارد < الشخصية حسب "تودوروف"، حيث يعرف السارد أقل مما تعرفه الشخصية، وهو ما يسميه "بويون" بـ"الرؤية من الخارج". [22]

 وبسبب دلالات مصطلحات "الرؤية" و"وجهة النظر" و"مجال الرؤية" على البصر الحسي، يقترح "جونات" مصطلحا بديلا هو التبئير Focalisation الذي استلهمه من من مصطلح بؤرة السرد "Focus of narration" الذي صاغه كل من "بروكس ووارين" Brooks et Warren.[23]

6- التبئيرات:  يقسم "جونات" السرد من حيث درجة التبئير إلى:

أ- السرد غير المبأر أو السرد في الدرجة الصفر: وهو النمط الذي تمثله الحكايات الكلاسيكية بصفة عامة.

ب- السرد ذو التبئير الداخلي: (الذي تمر فيه الأحداث من خلال وعي الشخصيات ورؤيتها)* وهذا التبئير له ثلاث حالات: فإما أن يكون ثابتا أي يمر من خلال شخصية واحدة، أو متغيرا (متناوبا) من خلال شخصيتين أو أكثر كما في رواية "مدام بوفاري" حيث الشخصية البؤرية هي "شارل" ثم "إيما" ثم "شارل" من جديد، وقد يكون التبئير الداخلي متعددا كما في القصة الشعرية لـ"روبرت براونينغ" Browning Robert "الخاتم والكتاب" حيث يروي قضية جنائية كما يراها بالتتابع كل من القاتل، والضحايا، وهيئة الدفاع، وهيئة الاتهام.

ج- السرد ذو التبئير الخارجي: حيث يتصرف البطل أمامنا دون أن تتاح لنا معرفة أفكاره ومشاعره.[24]

 

7- الصوت: يقصد جونات بالصوت المقام السردي L’instance narrative أي أنماط حضور السارد أو الراوي في الحكاية، وتعرض الكندية "غابريال غوردو" Gabrielle Gourdeau نظريته بكثير من المنهجية والوضوح، ولذلك نورد ما قدمته في هذا الباب بإيجاز.

ينبغي التفريق بين ثلاثة مقامات سردية: الراوي، الراوي- الشخصية، الشخصية- الراوي.

أ- الراوي: هو الذي يتكفل بالسرد الكلي، ويتميز بثلاثة أمور:

 أ-1: هو ليس شخصية في أية قصة، ومع ذلك يظل جزءًا من مخلوقات العالم التخييلي.

أ-2: يمكن أن يُعْرف بلقب أو اسم أو يظل راويا متخفيا.

أ-3: هو سارد عليم بكل شيء.

ب- الراوي- الشخصية: هو راوٍ قبل كل شيء لأنه يفتتح السرد، ويُسْند إليه السرد الكلي، كما أنه غالبا ما يلعب دورا معينا في القصة، ولكنه ليس السارد العليم بكل شيء.

ج- الشخصية-الراوي: يمكن لإحدى الشخصيات التي يُدْرجها الراوي، أو الراوي-الشخصية أن تتكفل بالسرد، ولكن الشخصية-الراوي تظل شخصية قبل أن تكون راويةً، فهي تلعب دورا مهما في القصة قبل أن تتدخل بوصفها راوية.[25]

 

ثانيًا- نقد نظرية "جونات":

    من أهم النقاد الذين فحصوا نظرية "جونات" وأخضعوها لمبضع النقد الذي توغل فيها عميقًا، الهولندية "ميك بال" Mieke Bal. فهذه الأخيرة ترى أنه كما يستطيع الراوي أن يتنازل عن الرواية لسواه، فكذلك المُبَئِّر يستطيع أن يتنازل عن التبئير لغيره، وهكذا تغدو الحكاية مبأرة من وجهة نظر الشخصية باعتبار التبئير داخليا.[26] فالمبئِّر ليس هو السارد فقط، لأن "ميك بال" تجعل الشخصية مبئِّرة أيضا، حين نرى الأشياء والأشخاص من خلالها، ونشعر بعواطفها وانفعالاتها.

  وتلاحظ "ميك بال" أن الحكاية إذا بدأت بتبئير خارجي ثم تم الانتقال إلى التبئير الداخلي، فليس المبئِّر هو بالضرورة من تغير، بل يمكن أن يتعلق الأمر بالمبأَّر أيضا، أي الشخصية منظورا إليها من الداخل، بوصفها موضوعا لا ذاتا للتبئير.[27] 

  ومن المقترحات اللافتة والمهمة التي تقدمها "ميك بال" في سياق توسيعها لمفهوم المُبأَّر حديثها عما سمته "مركز الاهتمام" Centre d’intérêt ، فالتبئير لا ينصب بالضرورة على الشخصية بل يمكن أن يمس أيا من مكونات السرد كالأشياء والأحداث والأماكن.[28]

  ومن الملاحظات المهمة التي تضيفها "ميك بال" أن المبأَّر يمكن أن يكون مرئيا أو غير مرئي، أي يمكن أن يكون ما هو محسوس بالنظر والسمع والشم واللمس والذوق. وهي تقترح كلمة محسوس أو مدرك للنوع الأول Perceptible، أي المبأَّر من الخارج، وغير المحسوس لما لا يمكن إدراكه إلا من الداخل مثل التحليل النفسي.[29]

  لقد أثارت نظرية "جونات" حول التبئير والصوت السردي عاصفة من الردود، بل يمكن القول أنها ساهمت بشكل غير مباشر في نشأة فرع جديد من السرديات وهو ما يُسمى بـ"السرديات التلفظية" La narratologie énonciative.  وها هي ذي "سيلفي باترون" بوصفها واحدة من قادة هذا الفرع المعرفي الجديد، تقول في كتابها "الراوي" : "هذا الكتاب وليد استياء، فقد شعرت بالغضب بعد أن قرأت ثانية، بعد سنوات من اللقاء الأول  بالنص حين كنت طالبة، الصفحتين اللتين خص بهما "جيرار جونات" كتاب "آن بانفيلد"  :Ann Banfield  «  Unspeakable Sentences.Narration and Representation in the Language of Fiction »  في كتابه  "عودة إلى خطاب الحكاية" Nouveau discours du récit ... [30]

      لكن الحديث عما سُمِّي بالسرديات التلفظية، يقودنا إلى أفق معرفي جديد يمكننا أن نطلق عليه السرديات ما بعد البنيوية، وأهم ملمحين فيه -حسب تقديرنا- هما السرديات التلفظية والسرديات الثقافية. لكن ما نلاحظه في أغلب الدراسات الحالية هو الخلط بين السرديات ما بعد البنيوية Narratologie Poststructurale، وما سُمِّي بعد ذلك بالسرديات ما بعد الكلاسيكية  Narratologie Postclassique  وهو خلط غير مبرر من الناحيتين النظرية والإجرائية، لأن السرديات ما بعد البنيوية -وإن باينت السرديات البنيوية في منهجها وزوايا تناولها للنص السردي- إلا أنها احتفظت بالمدونة السردية الأدبية بوصفها مجال اشتغالها الأبرز، بينما انحازت السرديات ما بعد الكلاسيكية إلى المدونات غير النصية البديلة للنص الأدبي السردي، كالأفلام والمسلسلات والإشهار والموسيقى وخطابات السياسيين والخبر الصحفي....الخ. ونلاحظ أن السرديات التلفظية، التي يدرجها البعض ضمن ما يسمى بالسرديات ما بعد الكلاسيكية، تنحاز غالبا إلى المدونة النصية الأدبية بتوجيه من خلفيتها اللسانية، وهي بالتالي جديرة بأن تدرج ضمن السرديات ما بعد البنيوية لا السرديات ما بعد الكلاسيكية.

  ثمة إذن، غالبا، تحقيب ثنائي لتاريخ السرديات الحديثة والمعاصرة، حيث يتم الحديث عن السرديات الكلاسيكية التي تم الانتقال منها فجأة إلى السرديات ما بعد الكلاسيكية. وهذا ما يسلم به "ديفيد هرمان" David Herman مبتكر هذا المصطلح، فرغم وعيه باللحظة ما بعد البنيوية للسرديات الحديثة إلا أنه يرسٍّم هذا التحقيب الثنائي، وهو نفس ما يفعله "أنسغار نونّينغ" Ansgar Nünning   و"مونيكا فلودرنيك" Monika Fludernik وغيرهما. [31]

  لكن ما نقترحه هنا هو التحقيب الثلاثي: السرديات البنيوية التي اقتصرت-تقريبا- على دراسة المدونة السردية الأدبية بمعايير شكلانية، والسرديات ما بعد البنيوية التي اقتصرت بدورها -تقريبا- على دراسة المدونة السردية الأدبية بمعايير لسانية في السرديات التلفظية وبمعايير "نسقية" ثقافية- اجتماعية في السرديات الثقافية، وأخيرا السرديات ما بعد الكلاسيكية التي تخلت - تقريبا وليس كليا - عن المدونة النصية السردية لتشتغل بصفة خاصة على "مدونات" نصية أو تلفظية غير أدبية أو "مدونات" سمعية بصرية.

ثالثا- السرديات التلفظية:

    أُخِذتْ عبارة السرديات التلفظية ، كما تقول "باترون" من "رونيه ريفارا" René Rivara مؤلف "لغة السرد، مدخل إلى السرديات التلفظية" La langue du récit, Introduction à la narratologie énonciative، وتدل على دراسة  الشكل، أو بعض تجليات الشكل في القصة التخييلية (كالراوي ووجهات النظر والخطاب المنقول ،الخ)  ومرجعه في ذلك اللسانيات التلفظية المعاصرة.[32]

   وقد وضع "ريفارا" قائمة من ست فئات categories عامة، وهي تبدو له قابلة للتطبيق على كل القصص، فكلها تمتلك -كما يؤكد- ترابطا تلفظيا enunciative correlate  [33]

 وهي باختصار:

 1- علاقة السرد بالقارئ فكل سرد -حسب ريفارا- هو عمل تواصلي. وهو يفرق بين مستويين من التواصل: تواصل الكاتب مع جمهوره، وتواصل الراوي مع القارئ.

2- الفصل بين العالم الواقعي والعالم التخييلي، وهذا ما يوافق الفصل بين الملفوظات الواقعية والملفوظات التخييلية.

3- الاختيار بين نمطين من الرواة هما الراوي المجهول Anonymous narrator  والراوي السير ذاتي Autobiographic narrator.

4- التعامل مع الزمن بحيث تضم القصة تتابعا للأفعال في الماضي المُبْهم aoristic verbs، (مثل الماضي البسيط في الفرنسية Le passé simple والماضي البسيط في الانجليزية  Preterite) مما يخلق انطباعا بتتابع الأحداث المروية.

5- العلاقة بين الراوي والشخصيات، حيث يقدم "ريفارا" الراوي بوصفه متلفظا أعلى superenunciator (surénonciateur)  مقارنة بالشخصيات.

6- وجهة النظر هي اتصال بين مستويين من التلفظ. هذا الاتصال يتحقق بين تلفظ الراوي، والتعبير عن صياغة لفظية تقديرية  appreciative modality عِمادُها شخصية ما في الملفوظات التي ليست من الملفوظات المنقولة.  (تبسيطا لهذه العبارة المعقدة وجهة النظر تعني العلاقة بين تلفظ الراوي وتلفظ الشخصية حين تُبأَّر داخليا، لا حين تتحدث، لكي نعرف انطباعاتها السلبية أو الإيجابية). [34]

 

  ترى "باترون" أن المساهمة الأساسية لـ"ريفارا" قياسا إلى السرديات من جهة، والأشكال الأخرى للسرديات التلفظية تكمن في تحليله لأزمنة الفعل في السرد ولا سيما الزمن المبهم، وتقدم عدة أمثلة من كتابه [35] يصعب نقلها إلى العربية لأنه لاوجود فيها للماضي البسيط أو المركب.  من هذه الأمثلة ما ساقه للدلالة على ميزتي الماضي المبهم، فهذا الزمن النحوي يحيل -قياسا إلى المظهر- على مسار "محدود-مغلق "، limited-closed process” “... وهو حسبه منفصل عن الحاضر، يترك خلفه فراغا زمنيا .. ومن المعلوم أن تتابعا من الأفعال في زمن الماضي البسيط في الفرنسية يمكنه أن يبتدع شذرةً سردية، كما في المثال الآتي الذي اصطنعه "ريفارا" نفسه:

Il prit son chapeau, ouvrit la porte et quitta la maison.

ارتدى قبعته، فتح الباب وغادر المنزل.[36]

  تبسيطا لعبارة "ريفارا" التي نقلتها "باترون" دون مزيد من التوضيح، يمكننا القول أن زمن الفعل في مثاله مبهم لا يحيل على فترة محددة فهو "محدود-مغلق" عكس قولنا مثلا "يوم الاثنين الماضي في الصباح ارتدى فلان قبعته، فتح الباب وغادر المنزل" فالزمن هنا ليس مغلقا بل هو مفتوح على ما قبله "الأحد" وعلى ما بعده "الثلاثاء" فهو لا يترك خلفه فراغا زمنيا.

 

  ومن أبرز الأسماء التي يتم تداولها في حقل السرديات التلفظية "ألان راباتالAlain Rabatel " رغم أنه هو نفسه يؤكد اختياره لـ "بناء مقاربة تلفظية للظواهر السردية" بدلا من السرديات التلفظية كما صاغها "ريفارا"... وهو يعترف بأن إشكالية وجهة النظر بعيدة عن تغطية كل الحقل المرتبط بالقضايا السردية، ومع ذلك فإن المقاربة التلفظية يمكنها، حسبه، أن تُجَدِّد مقاربة العديد من المفاهيم السردية حتى وإن لم تكن ذات جوهر مشترك مع النصوص السردية.[37]

و"راباتال" يقدم جهازا اصطلاحيا شديد التعقيد والتنوع، ومع ذلك فهو خاص به، وبتنظيره اللساني الخالص لوجهة النظر Point de vue التي يفضلها على مصطلح التبئير. ويعود في تعريفها القاعدي إلى اللسانيات التي ترى أن كل جملة إسنادية (اسمية) تمنح أية معلومة عن موضوع الخطاب، متعلقة بمعناه، هي في الوقت نفسه تخبرنا عن وجهة نظر المتلفظ أو المتلفظة بها.[38]

  فإن قال أحد: "المشي مفيد للصحة" فهو لا يخبرنا عن طبيعة الموضوع (المشي) فقط، ولكن المتلفظ بهذه الجملة يخبرنا عن وجهة نظره المنبثقة من قناعته، وهذا هو المفهوم اللساني البسيط لوجهة النظر.

وربما يتجلى منهج "راباتال" بشكل أوضح من خلال شواهده التطبيقية لوجهة النظر على مقاطع سردية عديدة، ومنها المقطع الآتي:

 

     " خرجت جماعة من المبنى الذي كان مالون يراقبه، تبعتها شابة فارعة القوام، ترتدي بذلة رمادية  وهي محاطة ببعض الطلاب الذين كانوا يحدثونها بحماس. تعرّف مالون، فورا، على لورا بلمون. الأناقة المحسوبة لهيئتها، حرة بما يكفي للإيحاء بساقين، وقوام، ونهدي إله، ورزينة بما يكفي ليظل ذلك مجرد إيحاء. كانت تسريحتها مرفوعة بصرامة، دون أن يخفي ذلك جمال شعرها الكثيف، وزينةً خفيّةً تُبْرز تماما الرقة الصافية لسحنتها، والشفافية الحريرية لبشرتها، كل ما فيها كان توليفة طبيعية وواعية من الجاذبية الحسية المُشعة التي شدّتْ إليها مالون في صور والدتها، ومن الوقار الأرستقراطي الذي يَحُوط هذه الجاذبية الحسية ليُبرز فتنتها بشكل أفضل. سرعان ما تخلت عن مجموعة الطلاب الذاهلين قليلا"

 

 يدرس "راباتال" في هذا المقطع السردي ما يسميه بالمُبئر في المستوى الأولLe focalisateur dans le premier plan، فالمُبئِّر أو ذات وجهة النظر في المقطع هو مالون، وهو أيضا ذات سيرورة الإدراك المُعلنة في المستوى الأول. أما وجهة النظر نفسُها فيُعَبَّرُ عنها في المستوى الثاني (المكتوب بالخط المائل). ويعرف المستوى الأول بتلاحق الجمل حسب نظام زمني متدرج، (الحدث أ) يسبق (الحدث ب) الذي يسبق (الحدث ج) المفترض أن يطابق سيرورة الأحداث في الواقع. والزمن الأنموذجي prototypique للمستوى الأول هو الماضي البسيط. أما الزمن الأنموذجي للمستوى الثاني فهو الماضي المستمر L’imparfait (يقصد راباتال الجزء الخاص بوصف الشابة والمكتوب بخط مائل)، وهو حسبه يتألف من جمل لا تتبع النظام الكرونولوجي ويمكن حذفها دون أن يخالف النص القاعدة النحوية، ومع ذلك فإن لم يكن المستوى الثاني ضروريا لبناء السرد فإنه يعطي الكثير من المعلومات عن هذا الأخير، لأنه يتكون من مستويات أخرى، وصفية، تقييمية...[39]

  إن "راباتال" حسب طريقة اشتغاله اللساني الشديدة التعقيد (لم نورد إلا عينة جزئية من تحليله للمقطع السابق) لا يدرس البنى السردية الكبرى لأنه حسب آليته المعقدة سيخوض بحرًا عبابًا وسيُسَوِّد آلاف الصفحات وهو يلاحق مستويات وجهة النظر، ولكنه غير ملومٍ مطلقا، لأنه يعلن بصراحة أنه "ليس عالم سردٍ Narratologue ولم يدَّعِ أبدا الانتساب إلى هذا البراديغم (النموذج)"

" Je ne suis pas narratologue et ne me suis jamais réclamé de ce paradigme"[40]

 

  فهو لساني مبرِّز في حقل اختصاصه، وله ثقله الأكاديمي الذي تومئ له أعماله الكثيرة في هذا الحقل، وتتقاطع معه في "البراديغم" اللساني وكثافة الإنتاج والحضور "سيلفي باترون" التي تخصصت بشكل كلي في دراسة الراوي، لكنها تنسب نفسها لحقل السرديات، وهذا رغم اعترافها بأنها تقصي من دائرة تفكيرها ذاك الجزء من النظرية السردية الذي يهتم بأبنية المحتوى (الوظائف، السلاسل...الخ) في القصص الشفهية والمكتوبة.[41] أي أن "باترون" تقصي السردية نفسها La narrativité لتتفرغ لموضوع السارد أو الراوي من منظور لساني ومع ذلك تصر على أنها عالمة سرد!

الخاتمة:

    إن بعض ممثلي السرديات التلفظية (إن جازت التسمية) يحاولون اختطاف حقل السرد الأدبي من محضنه الأم أي النقد الأدبي، ليخضعوه لمنظور نحوي لساني تتسيد فيه الضمائر وأزمنة الفعل، ولهذا ينبغي أن يرتد عملهم إلى حقله الأصلي بوصفه فرعا من اللسانيات لا السرديات.

  إن السرديات التلفظية"  كما تُسمّى، هي في جوهرها، ومقولاتها، وتنظيراتها، ونماذجها الإجرائية المتاحة لا يمكن إلا أن تكون فرعا من لسانيات التلفظ، باعتبار هيمنة قضايا وجهة النظر -في سياقها اللساني الصِّرْف- والدور المحوري للضمائر النحوية وأزمنة الفعل في معطيات التحليل المتعلقة بالراوي والشخصيات،  بعيدا عن مكونات النص السردي الأصلية والأهم وهي: الحبكة، والمفارقات الزمنية بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، وقضايا التوتر والمدة والصيغة وغيرها، كل ذلك يجعل من "السرديات التلفظية" عاجزة عن تأسيس أية جمالية  يُرْكن إليها، وهي -رغم ثرائها وجدواها في حقلها اللساني الصِّرْف- تمتاز بمحدوديتها الشديدة حين يتم تبنيها كإجراء نقدي. وبناء على هذه الملاحظات لا يمكن عدها بديلا لمشروع جونات الذي يركز على السردية La narrativité نفسها، مبرزًا أركانها التي تتلخص في الحبكة بمكوناتها العديدة وهي الترتيب وما يندرج تحته من استباق واسترجاع، والمدة التي تندرج تحتها الحركات السردية الأربع: المجمل والوقفة والحذف والمشهد، والتواتر بأنواعه الأربعة، وهذه القضايا تهملها السرديات التلفظية تماما وتركز على قضايا لسانية صِرْفٍ حيث تستعيد مفهومي الراوي ووجهة النظر من خلال محددين نحويين هما الضمير وزمن الفعل.

 

هوامش:





[1]    Gérard Genette, Figures III, Éditions du Seuil, Paris, 1972, PP 78-79. 

[2]  Ibid. P 82.

[3]  Ibid, PP 90-91.

[4]   Ibid, PP 89-90.

[5]  Ibid, PP 106-107.

[6] Ibid, P 129.

[7] Ibid, PP 133-134.

[8] Ibid, PP 139-140. أوردنا ما ذكره "جونات" بإيجاز، والمثال ابتكرناه لشرح "الحذف" لأن أمثلته من رواية "بروست" يستحيل نقلها واستيعابها هنا.

[9] Gabrielle Gourdeau, Analyse du discours narratif,  gaëtan morin éditeur, Québec, Canada, 1993, P 129.

[10]  G.Genette, op.cit. P123.

[11]  ينظر: محمد القاضي وآخرون، معجم السرديات، الرابطة الدولية للناشرين المستقلين،  تونس، لبنان، الجزائر، مصر، المغرب، 2010، ص 394. المرزوقي وشاكر، مدخل إلى نظرية القصة تحليلا وتطبيقا، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986، ص 89.

والواقع أن مفهوم المشهد يلتحم عند "جونات" التحاما تاما بمدونته المدروسة "رواية بروست" بحيث من العسير جدا، بل من المستحيل استخلاص المفهوم النظري للمشهد عنده مفصولا عن رواية بروست لأنه يتعامل معها بوصفها مثلت قطيعة مع المفهوم التقليدي للمشهد. يُنظر: Figures III, PP 141-144.

[12]  عن معجم السرديات، ص 394.

[13] يُنظرمثلا: Jen-louis Dumortier, Pour lire le récit, De Boeck-Wesmael, Bruxelles, Editions J. Duculot, Paris-Gembloux, 1988, P 95 وكذلك، والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998، ص 163. 

[14] G. Genette, op.cit. P 145.

[15] Ibid, PP 146-147.

[16] Ibid, P183.

[17] Ibid, P184.

[18] Ibid, P184.

[19] Ibid, P185.

[20] Ibid, PP 191-192. ومن الواضح أن الأمثلة من ابتكارنا للتوضيح.

[21] Ibid, P 203.

[22] Ibid, P 206.

[23] Ibid, P 206.

*  ما بين قوسين أضفناه للتوضيح.

[24] Ibid, PP 206-207.

[25] Gabrielle Gourdeau, op.cit. PP 36-37.

[26] Mieke Bal, Narration et focalisation : pour une théorie des instances du récit , Poétique, n 29, 1977, P 120.

[27] Ibid, P120.

[28] Ibid, PP 119-120.

[29] Ibid, P120.

[30] Sylvie Patron, The Narrator, A Problem in Narrative Theory, Translated by Catherine Porter, University of Nebraska Press, 2023, P 1..

[31] يُنظر لمزيد من التفصيل :

Sylvie Patron (dir.),Introduction à la narratologie postclassique, Presses Universitaires du Septentrion,2018, PP 11-17.

Gerald Prince, Narratologie classique et Narratologie post-classique, https://vox-poetica.com/t/articles/prince.html تمت الزيارة بتاريخ 10/10/2024.

[32] Sylvie Patron, The narrator, op.cit. P, 251.

   

[34] Ibid, P 251. وما بين قوسين أضفناه للتوضيح.

[35]  Ibid, PP 251-255.

[36] Ibid, P 252.

[37]  Alain Rabatel, Pour une narratologie énonciative ou pour une analyse énonciative des

phénomènes narratifs ? In: John pier et Francis Berthelot (Dir), Narratologies contemporaines, Éditions des archives contemporaines, Paris, 2010, P 109. 

[38]Alain Rabatel, Point(s) de vue, In: Nolwenn Lorenzi Baillyet Claudine Moïse (Dir) Discours de haine et de radicalisation, ENS Éditions, 2023, P 89.

[39] Alain Rabatel, Argumenter en racontant, Éditions De Boeck Université, Bruxelles, 2004, PP 23-24..

[40] Alain Rabatel, Des récits en général, de la narratologie en particulier, Questions de communication, N 31 , 2017, P 246.

[41] Sylvie Patron, Sur l’épistémologie de la théorie narrative, Les Temps Modernes, 2006/1 n 635-636, P 263, Note 3.

 

قائمة المراجع:

المراجع العربية والمُعرَّبة:

القاضي محمد، وآخرون. (2010). معجم السرديات. تونس، لبنان، الجزائر، مصر، المغرب: الرابطة الدولية للناشرين المستقلين.

المرزوقي، محمد. شاكر، جميل. (1986). مدخل إلى نظرية القصة تحليلا وتطبيقا. بغداد: دار الشؤون الثقافية.

والاس، مارتن. (1998). نظريات السرد الحديثة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.

 

قائمة المراجع الأجنبية

Bal, M. (1977). Narration et focalisation : pour une théorie des instances du récit. Poétique, pp. 107-127.

Dumortier, J.-l. (1988). Pour lire le récit. Bruxelles, Paris: De Boeck-Wesmael, Editions J.Duculot.

Genette, G. (1972). Figures III. Paris: Seuil.

Gourdeau, G. (1993). Analyse du discours narratif. Québec: Gaëtan morin éditeur.

Patron, S. (2006). Sur l’épistémologie de la théorie narrative. Les Temps Modernes, 1(635-636), pp. 262-285.

Patron, S. (2018). Introduction à la narratologie postclassique. Lille: Presses Universitaires du Septentrion.

Patron, S. (2023). The Narrator, A Problem in Narrative Theory. Lincoln: University of Nebraska Press.

Prince, G. (s.d.). Narratologie classique et narratologie post-classique. Récupéré sur vox-poetica Lettres et sciences humaines: https://vox-poetica.com/t/articles/prince.html#:~:text=En%20somme%2C%20la%20narratologie%20post,la%20narratologie%20classique%20essayait%20de (consulté le 22/Juin/2025)

Rabatel, A. (2004). Argumenter en racontant. Bruxelles: Éditions De Boeck Université.

Rabatel, A. (2010). Pour une narratologie énonciative ou pour une analyse énonciative. Dans J. p. (Dir), Narratologies (pp. 109-137). Paris: Éditions des archives contemporaines.

Rabatel, A. (2017). Des récits en général, de la narratologie en particulier. Questions(31), pp. 245-263.

Rabatel, A. (2023). Point(s) de vue. Dans N. L. (Dir), Discours de haine et de radicalisation (pp. 89-98). Lyon: Ens éditions.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire