Nombre total de pages vues

lundi 13 avril 2026

قراءة نقدية في كتاب التخييل والشعر ليوسف الإدريسي

 


قراءة نقدية في كتاب التخييل والشعر ليوسف الإدريسي

A critical reading of Youssef Al-Idrisi's book "al-Takhyīl wa-al-shiʻr"

1 د.رياض بن يوسف، أستاذ التعليم العالي

مجلة الآداب، جامعة قسنطينة1 منتوري، المجلد 25، العدد 1، 2025




ملخص:

    نقدم عبر هذه المقال قراءة نقدية لكتاب "التخييل والشعر" ليوسف الإدريسي، بوصفه من أحدث الكتب التي تناولت مفهوم التخييل الشعري عند الفلاسفة المسلمين، وقد لاحظنا قيامه على فرضية مركزية ومصادرة تفتقر إلى التماسك وهي أسبقية متى بن يونس في ترجمته لكتاب "فن الشعر" لأرسطو إلى استخدام مصطلح التخييل.  

كلمات مفتاحية: التخييل؛ الشعر؛ متى بن يونس؛ الفارابي؛ ابن رشد..

 

Abstract: 

 Through our article we try to propose a critical reading of the book by Youssef Al-Idrisi "al-Takhyīl wa-al-shiʻ r" = Imagination and poetry» given that it is among the last books published on this subject which is still controversial. we found that the main thesis of this book is based on a postulate very difficult to prove and according to which the term of «Takhyīl = imagination» in its Arabic philo-poetic context is used for the first time by Matta ben Younes

.Keywords:  Imagination; Poetry; Matta ben Youness; AL-Farabi; Averroes

 

 

 

مقدمة:

    مثلت العلاقة الإشكالية بين الفلسفة الاسلامية والشعر مجالا خصبا للدارسين العرب، والواقع أن اهتمام الفلاسفة المسلمين بالشعر يعود إلى اهتمامهم بكتاب "فن الشعر" لأرسطو الذي عرفوه من خلال ترجمة أبي بشر متى بن يونس القنائي الشهيرة، وإن أشار بعض الباحثين إلى ترجمة مفقودة هي ترجمة يحي بن عدي، كما أشاروا إلى تلخيص مفقود للكتاب وضعه أبو يعقوب بن اسحاق الكندي ، لكن ترجمة يحي بن عدي وتلخيص الكندي مفقودان،[1] فلم تبق إلا ترجمة متى التي يجمع الباحثون على رداءتها وتشويهها للأصل المنقول عنه أي كتاب الشعر لأرسطو.[2]

   وبعد متى الذي يمثل مرحلة التلقي السلبي أي الترجمة، جاءت مرحلة التلقي الإيجابي للمتن الأرسطي التي تجلت عند سلسلة من الفلاسفة يمثل الفارابي حلقتهم الأولى حيث عرض آراء المعلم الأول كما سماه-أي أرسطو- في رسالتيه "رسالة في قوانين صناعة الشعراء" و"جوامع الشعر"[3] وكانت آراؤه مخالفة لآراء أرسطو في عدة مواضع، وأهم نقاط الاختلاف بينهما أن الفارابي عرض لقضية لم يمسها أرسطو من قريب أو بعيد هي قضية "التخييل" وعلاقته بالشعر، فالشعر عنده يقوم إما على تخييل الشيء في نفسه أو تخييله في شيء آخر،[4] مقتربا بمصطلح التخييل من معنى التشبيه في البلاغة العربية.  وبعد الفارابي، جاء ابن سينا الذي أوجز أقوال أرسطو في فصل "فن الشعر" من كتاب الشفاء، وكان كسابقه مخالفا لأرسطو في عدة مواضع مثل إخراجه الأمثال والقصص من حد المحاكاة،[5] ويختم هذه السلسلة ابن رشد الذي كان تلخيصه أقرب للمتن الأرسطي من حيث الحجم وإن خالفه مخالفة صريحة في عدة أمور كمفهوم المحاكاة واهتمامه المفرط بالتشبيه والتخييل وهو ما لم يرد عند أرسطو.

    وقد سعى عدد من الباحثين المحدثين إلى تمثل مواقف الفلاسفة الاسلاميين من الشعر، وأفرد بعضهم لذلك دراسات وافية، ومنهم جابر عصفور في كتابه الموسوم ب" الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب" حيث تناول فيه بالتفصيل آراء الفلاسفة الاسلاميين – ضمن آراء غيرهم من النقاد الخلَّص- من الشعر، ومن هؤلاء الباحثة الراحلة "ألفت كمال الروبي" صاحبة الدراسة الذائعة الصيت الموسومة بـ" نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين"،   و"الأخضر جمعي" الذي أصدر في هذا الموضوع كتابه القيّم الذي لم ينل حظه من التقدير "نظرية الشعر عند الفلاسفة الاسلاميين"، ومن هؤلاء أيضا "يوسف الإدريسي" الذي أصدر منذ بضع سنوات كتابه " التخييل والشعر: حفريات في الفلسفة العربية الاسلامية"[6]، وكونُ الكتاب هو الأحدث زمنيا بالقياس إلى ما سبقه يدفعنا إلى التساؤل عما أضافه من جديد لموضوع العلاقة بين الفلسفة والشعر عند الفلاسفة الإسلاميين؟ فهل استطاع الباحث تجاوز سابقيه؟ وهل استطاع- انسجاما مع عنوان كتابه- أن يثبت المكانة المركزية للتخييل في نصوص الفلاسفة الاسلاميين المتعلقة بالشعر؟

1 القراءة النقدية للكتاب:

1.1 الفصل الأول:

   يحمل الفصل الأول للكتاب عنوان " الخيال والمحاكاة في الشعرية اليونانية" وهو عنوان ينطوي على مفارقة واضحة، فمن المعلوم أن مصطلح "الخيال"، ومشتقاته، عكس "المحاكاة"، غائب تماما في مقاربات أفلاطون وأرسطو للشعر، فلم يتحدث أي من الفيلسوفين عن علاقة الشعر بملكة التخيل، وإن تناولاها بوصفها إحدى الملكات النفسية فيما ألّفاه عن النفس.

ويبدو أن الباحث-لارتكاز درسه على مصطلح التخييل-يقحمه إقحاما في تحليلات أرسطو وأفلاطون للشعر، ففي معرض حديثه عن الخيال والمحاكاة عند أفلاطون، يقتبس المقطع الحواري الآتي من الجمهورية:

"-...غير أن الملكة التي تحكم وفقا للقياس هي الجزء الأفضل في النفس.

- بالتأكيد.

- وإذن فما يخالف القياس لا بد أن يكون جزءا أخس

- هذا ضروري.

- هذا هو الرأي الذي كنت أريد الوصول إليه عندما قلت إن الرسم وكل فن قائم على المحاكاة بوجه عام يبعد في عمله عن الحقيقة، وأن الجزء الذي يرتبط به، في طبيعتنا، بعيد بدوره عن الحكمة، وأنه لا يستهدف غرضا شريفا أو صحيحا.

- هذا صحيح كل الصحة.

- وعلى ذلك فلما كان الفن القائم على المحاكاة خسيسا مقترنا بخسيسة، فلا بد أن تكون الذرية بدورها خسيسة". [7]

  ويستخلص الكاتب من هذه الفقرة الحوارية أن أفلاطون " لم يسم ملكة الخيال بالمصطلح الدال عليها، بل أشار إليها بـ " الجزء الوضيع من النفس" وبـ " القوة اللاعقلانية". [8]

  وهذا في الواقع استنتاج بعيد عما يقصده أفلاطون بالجزء الخسيس من النفس، فالفيلسوف اليوناني يقصد بهذا الجزء" الانفعالات الوضيعة " التي تؤججها التراجيديا في أنفس حراس المدينة المستقبليين. فهي تخاطب في المتلقين، وهم من كانوا يشاهدون التراجيديا على مسارح أثينا، عواطفهم وغرائزهم دون عقولهم. وهذا ما يتجلى بوضوح تام من خلال المقطع الحواري التالي الذي ورد في المساق البرهاني نفسه:

" .... - والجزء الأفضل منا هو الذي يسير وفقا للعقل.

-      بالتأكيد.

- أما الجزء الذي يذكرنا بشقائنا ويدفعنا إلى الحزن، ولا يشفى غليله منهما، فإنا نستطيع أن نسميه باللامعقول والعقيم والجبان."[9]

من الجلي هنا إذن أن أفلاطون لا يقصد الخيال من قريب أو بعيد بل يتحدث عن الطابع المنفعل الذي يذكرنا بحزننا وشقائنا. فما يقابل العقل في تصور أفلاطون هنا هو العاطفة لا الخيال.

وفي معرض حديث الباحث عن نظرية المحاكاة عند أرسطو يقحم مصطلح التخييل الشعري إقحاما في تحليله رغم خلو المتن الأرسطي خلوا تماما من أدنى إشارة إلى مفردة الخيال ومشتقاتها. فأرسطو في حديثه عن طرق المحاكاة الثلاث يقول:

" لما كان الشاعر محاكيا، شأنه شأن الرسام وكل فنان يصنع الصور، فينبغي عليه بالضرورة أن يتخذ دائما إحدى طرق المحاكاة الثلاث: فهو يصور الأشياء إما كما كانت أو كما هي في الواقع، أو كما يصفها الناس وتبدو عليه، أو كما يجب أن تكون".[10]

من الجلي هنا أن أرسطو إنما يتحدث عن طرق المحاكاة حصرا، لكن هذا لم يمنع الباحث من الوقوع في مغالطة سافرة حين عقب على حديث أرسطو بالقول :"يميز أرسطو هنا – في معرض حديثه عن طبيعة التخييل الشعري وحدوده- بين ثلاثة مستويات من الإبداع الشعري: الاختلاق الإمكاني...والاختلاق الامتناعي...والاختلاق الاستحالي".[11] فكيف تحول حديث أرسطو عن طرق المحاكاة إلى حديث عن طبيعة التخييل الشعري؟!

   وتبلغ المفارقة عند الباحث قمتها القصوى حين يقر بعد أسطر قليلة " أن أفلاطون وأرسطو "أغفلا" ربط العملية الإبداعية بالقوة الذهنية للشاعر وملكاته الإدراكية فلم يتحدثا – حيث كان يجب أن يفعلا- عن الخيال بوصفه ملكة للإبداع الفني".[12]  فأرسطو إذن -حسب الباحث- تحدث عن طبيعة التخييل الشعري وحدوده ولكنه في الوقت نفسه لم يتحدث عن الخيال بوصفه ملكة للإبداع الفني؟!

   إن ما يفسر هذا التناقض الواضح في كلام الباحث هو انطلاقه من مصادرة قبلية وهيْكَلة افتراضية لعمله تجعل من التخييل مصطلحا محوريا واجب الحضور حتى في المحضن النظري الإغريقي عند أفلاطون وأرسطو، وهما في الحقيقة لم يكونا منظرين للشعر الغنائي المرتبط بالتخييل، بل كانا منظرين للتراجيديا خاصة وهي ذات طابع مسرحي وكذلك للملحمة وهي ذات طابع سردي. وقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة أن أفلاطون وأرسطو لم يكونا إلا منظرين للمسرح والسرد، وأغفلا تماما الشعر الغنائي ذا الطبيعة التخييلية لصالح المحاكاة التراجيدية التي كانت تتم على المسرح أمام أعين المشاهدين.[13] وينبغي في هذا السياق أن نتذكر تحديد أرسطو نفسه لطبيعة المحاكاة في التراجيديا فهذه المحاكاة تتم حسبه "بواسطة أشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية". [14] فالبعد الحواري بين الشخصيات المسرحية جزء أساسي من ماهية المحاكاة الأرسطية وهذا يبتعد بها تماما عن مفهوم التخييل الشعري المرتبط في الواقع بالشعر الغنائي الغائب تماما عن تحليلات أرسطو. 

2.1الفصل الثاني:

  في الفصل الثاني المعنون بـ"تشكل مفهوم التخييل في النصوص الفلسفية العربية الأولى، من الكندي إلى القنائي" لا يضيف الباحث جديدا إلى ما سبق أن تناوله باحثون سابقون حول المسألة، سواء بتفصيل شديد يتحاوز ما قدمه يوسف الإدريسي بأشواط مثل جابر عصفور[15] أو بإيجاز مثل محمد عثمان نجاتي. [16]

   لكن ما يلفتنا عند يوسف الإدريسي خلال حديثه عن ترجمة متى بن يونس القنائي لكتاب أرسطو أنه يلاحظ ورود كلمة التخييل عنده مرة واحدة، ويناقش كلا من عبد الرحمن بدوي الذي فضل تصحيحها بكلمة التجميل، وشكري عياد الذي رجح أن تكون الكلمة الأصلية هي التبجيل.[17]

وعبارة المترجم متى المقصودة هي قوله:" ...وهذه الوحيدات الأخر إنما تقال نحو التخييل والحسن في الاقتصاص لكل واحدة واحدة".[18] والعبارة الأرسطية الأصلية هي كما يترجمها عبد الرحمن بدوي:" ..وإلى جانب هذا هناك عدد الأحداث العرضية وسائر ألوان التجميل التي يقال إنها أضيفت إلى كل قسم، ولكن لا داعي إلى التوقف عندها، فإن دراستها نقطة نقطة أمر يطول شرحه".[19]

أما ترجمة إبراهيم حمادة فجاءت بالشكل الآتي:" أما فيما يتعلق بالإكثار من عدد الإبيسودات أو الفصول التمثيلية، وبالتحسينات التي أدخلت على أجزاء التراجيديا الأخرى، فينبغي أن نضع في الاعتبار ما سبق لنا قوله، لأن مناقشة كل منها في تفصيل أمر-لا شك- يطول شرحه".[20]

بينما اختار شكري عياد عبارة التجميل لتصحيح متن الترجمة عند متى، أما في ترجمته الشخصية فاستخدم عبارة التحسين: "أما عن زيادة عدد الفصول وما يُذكر من ضروب التحسين الأخرى فينبغي أن يعتبر ما تقدم لنا قوله. فإن إشباع الحديث في كل منها قد يكون عملا كبيرا".[21]

وفي ترجمة ج.هاردي إلى الفرنسية وردت عبارة أرسطو بمعنى التحسينات أو التجميلات:

 « Il y a encore le nombre des épisodes et les autres embellissements qu’on dit avoir été apportés à chaque partie ……. ».[22]

وفي ترجمة سيفرين أوفريه وأودات بالفني إلى الفرنسية أيضا ترد بمعنى التزيينات:

«On introduisit encore un certain nombre d’épisodes, et d’autres ornements qu’on dit avoir été apportés à chaque partie …».[23]  

وفي  ترجمة بوتشر إلى الإنجليزية  - وهي الترجمة المنقحة - ترد بمعنى الإكسسوارات:

«The additions to the number of ‘ episodes ’ or  acts, and the other accessories of which tradition tells…».19-21[24]

وفي ترجمة خوان دافيد غارثيا باكا إلى الإسبانية ترد بمعنى التزيينات أيضا:

«Dícese además que se la adornó con episodios en abundancia, y con otros ornamentos…»[25]

   من الواضح حسب هذه الترجمات – وغيرها مما لم نشأ إيراده- وكلها منقولة بقلم أساتذة كبار ترجموا كتاب فن الشعر عن اليونانية مباشرة- أن أرسطو يتحدث عن تطور التراجيديا ومكوناتها وأوزانها ثم يقرر في الختام أن الأجزاء الخاصة بالتراجيديا والتجميلات (أو التحسينات أو التزيينات أو الإضافات) التي طرأت على أجزائها الأخرى من الصعب استقصاؤها واحدة واحدة. وهذا يرجح من جهة تصويب عبد الرحمن بدوي لكلمة "التخييل" بكلمة "التجميل" التي وردت في الأصل اليوناني بهذا المعنى، ويكشف ثانيا رداءة ترجمة متى التي تغدو في الواقع بلا موضوع، فهي ترجمة غير قابلة للقراءة ولا للفهم، لأنه لا معنى لكلمة التخييل في السياق الذي وردت فيه، وحتى لو كانت الترجمة قابلة للفهم إلى حد ضئيل حين تقارن بالأصل، فمن البدهيات المطلقة لأي بحث علمي رصين وجاد أن الكتاب المترجَم لا تسند الأقوال فيه إلى المترجِم بل إلى صاحب النص الأصلي، ولكن الباحث يوسف الإدريسي يخالف هذه البدهية الواضحة ويسند الآراء الواردة في كتاب متّى-غير القابل للقراءة- إلى المترجِم أي إلى متّى نفسه لا إلى أرسطو! فهو يقول معقبا على تصويب كل من بدوي وشكري عياد لعبارة "التخييل" عند متّى بالقول:" ويبدو أن شكهما في غير محله، ليس لأن تلك الكلمة قد شاع استعمالها قبل متى بن يونس في الأوساط الفلسفية ، أو لأنها مثبتة بوضوح في المخطوط الوحيد للترجمة  كما يستفاد من تعليق بدوي في هامش تحقيقه فحسب، بل وكذلك لأن سياقها يدل على أن القنائي أوردها لزيادة إيضاح الفقرة المترجمة، ذلك أنه إذا انتبهنا إلى أن كلمة "تخييل" –كما جاء في الترجمة- تتعالق مع كلمة "الحسن" وتعطف عليها بغاية تحقيق سمة جمالية في "الاقتصاص" –أي الحكاية الشعرية- وإذا اعتبرنا أن التراجيديا تستوجب العناية بفصولها التمثيلية وأحداثها العرضية من خلال تقديمها بأسلوب تخييلي ممتع ومؤثر("إنما تقال نحو التخييل")، أمكن حينئذ بهذا وذاك الانتهاء إلى أن لا مجال للشك في الكلمة ، وأن القنائي وظفها عن وعي، وأراد أن يشير بها إلى القص الشعري، بالشكل الذي يفهم به الشعر، لا بد أن يثير"التخييل" في الذهن لكي يكون جميلا ومؤثرا في النفس".[26]

   ونتساءل هنا: كيف يعد إقحام القنائي لمفردة "التخييل" زيادة إيضاح للفقرة المترجمة؟ فهل هي واضحة أصلا في ذهنه وفي ذهن المتلقي لترجمته حتى يزيدها إيضاحا؟! وما علاقة "الاقتصاص" بالحكاية الشعرية في سياق الترجمة الشائهة لمتى وفي السياق الأصلي الواضح؟ لقد وقع الباحث هنا في خطأ لغوي فادح يزعزع ثقة القارئ في كفاءته اللغوية والعلمية، حيث خلط خلطا شديد الغرابة بين كلمة الاقتصاص بمعنى الاستقصاء والتتبع وبين القصة الشعرية، فالاقتصاص هنا من اقتص الأمر أي تتبعه وهي اللفظة التي استخدمها أرسطو ليشير إلى عدم رغبته في استقصاء أو تتبع الأجزاء الأخرى المكونة للتراجيديا بالحديث لأن أمرها -حسبه- يطول شرحه وهذا واضح بين من خلال ترجمات بدوي وحمادة وعياد والترجمات العالمية التي أوردنا نماذج منها. وإذا كان الباحث "يوسف الإدريسي" قد "اهتدى" إلى الربط العجيب بين "الاقتصاص" والحكاية الشعرية، فلماذا ترك قولي متى "الوحيدات الأخر" و"لكل واحدة واحدة" دون شرح، ومن الواضح -رغم ركاكتهما- دلالتهما على بقية أجزاء التراجيديا التي لم يشأ أرسطو الإسهاب في عرضها؟ وكيف استخلص من قول متى المبهم أن التراجيديا تستوجب العناية بفصولها التمثيلية وأحداثها العرضية من خلال تقديمها بأسلوب تخييلي ممتع ومؤثر؟! أين ذكر متى ذلك ولو تلميحا؟ ألا يبدو أن الباحث يسعى جاهدا إلى إقحام مصطلح التخييل إقحاما لا لشيء إلا لأنه بنى كل فرضية الكتاب على أوَّلية وأوْلَوية هذا المصطلح في كتابه؟ ثم أليس من الواضح أن"الإدريسي" يعتمد على الترجمات الحديثة لمتن أرسطو ليفسر بها ترجمة متى الشائهة دون أن يقر بذلك؟ والدليل على هذا أنه يستخدم عبارتي "الفصول التمثيلية" و"الأحداث العرضية" المأخوذتين من ترجمتي بدوي وإبراهيم حمادة للفقرة المنقولة نفسها.

    والباحث واع- طبعا- بركاكة ترجمة متى وإسفافها، لكنه يصر دائما على تحوير مدلول الترجمة بما يتفق مع فرضيته واضعا بذلك العربة أمام الحصان كما يقال. فيعد أن يستشهد بعبارة متى الآتية:

  ".. وذلك أنه ليس ينبغي أن يطلب من صناعة المديح كل لذة، لكن التناسب. فأما في تلك التي يعدها الشاعر بالمحاكاة التي تكون بسبب اللذة من غير حزن وخوف فهو معلوم، فإذن هذه الخلة ينبغي أن يفعلها في الأمر". [27]

  يعلق عليها قائلا: ".. بالرغم من غموض هذا النص وقلق عباراته إلا أنه يومئ إلى أن متى بن يونس يعي أن شاعرية الشاعر تتحدد بمدى قدرته على تشكيل رؤاه الجمالية (التشبيهات والمحاكاة) بأسلوب إيحائي ممتع يثير الصور في ذهن السامع و"يخيلها إليه" حتى تتمثل له وكأنها ماثلة أمامه. وتعتبر المحاكاة وسيلة جمالية للتمثيل الشعري وأداة فنية لإثارة انفعالات المتلقي وللتأثير على أفعاله، وهو الأمر الذي يستشف من قوله "...بالمحاكاة التي تكون بسبب اللذة"... ".[28]

  وفقرة متى هي ترجمة لقول أرسطو كما ورد في ترجمة بدوي:" أما أولئك الذين يرومون عن طريق المنظر المسرحي أن يثيروا الرعب الشديد لا الخوف، فلا شأن لهم بالمأساة، لأن المأساة لا تستهدف جلب أية لذة كانت، بل اللذة الخاصة بها. فلما كان الشاعر يجب عليه أن يجتلب اللذة التي تهيؤها الرحمة والخوف بفضل المحاكاة، فمن البين أن هذا التأثير يجب أن يصدر عن تأليف الأحداث"[29]. ويعقب بدوي في الهامش بالقول :" ...وأرسطو يقرر هنا أن التأثير يجب أن يصدر عن مجرى الحوادث وتشابكها فقط، لا عن عوامل خارجة تصطنع على المسرح".[30]

وفي ترجمة شكري عياد نقرأ:

"..فأولئك الذين إنما يتوصلون بالنظر إلى إحداث الاستبشاع- لا الخوف- أولئك لا حظ لهم من صناعة التراجيديا، فليس ينبغي أن تطلب من التراجيديا أي لذة كانت بل تلك التي تخصها، وإذ كان واجب الشاعر أن يحدث لذة الشعور بالشفقة أو الخوف متخذا سبيل المحاكاة، فبين أن ذلك ينبغي أن يصنع في الأفعال".[31]

 أما في ترجمة هاردي إلى الفرنسية فنقرأ ما يلي:

Quant à ceux qui suscitent par le spectacle non point la crainte mais seulement l’horreur, ils n’ont rien de commun avec la tragédie : car ce n’est pas n’importe quel plaisir qu’il faut chercher à procurer avec la tragédie, mais le plaisir qui lui est propre. Et comme le poète doit procurer le plaisir que donnent la pitié et la crainte suscitées à l’aide d’une imitation, il est clair que c’est des faits qu’il faut faire dépendre ces émotions.[32]

 وفي ترجمة خوان دافيد غارثيا باكا إلى الإسبانية نقرأ:

En cuanto a las que mediante el espectáculo no producen temor sino horror por lo monstruoso, del todo son ajenas a la tragedia, porque no se ha de buscar sacar de ella cualquiera delectación, sino la suya propia.  Y puesto que el poeta debe proporcionar ese placer que de conmiseración y temor mediante la imitación procede, es claro que esto precisamente habrá de ser lo que en los actos de la trama se ingiera.[33]

بينما وردت الفقرة في ترجمة بوتشر إلى الإنجليزية هكذا:

Those who employ spectacular means to create a sense not of the terrible but only of the monstrous, are strangers to the purpose of Tragedy ; for we must not demand of Tragedy any and every kind of pleasure, but only that which is proper to it. And since the pleasure which the poet should  afford is that which comes from pity and fear through imitation, it is evident that this quality must be impressed upon the incidents.[34]

 من الجلي تماما حسب ترجمات بدوي وعياد وهاردي وباكا وبوتشر أن أرسطو يتحدث عن ضرورة التزام الشاعر بالحبكة التراجيدية وترابط الأحداث -أي بالمحاكاة المرتبطة ضرورة بالأحداث - في إثارة انفعالات المشاهدين ولا يجب عليه الاستعانة بالمشهد الخارجي.

    لكن متّى حوَّل عبارة أرسطو الواضحة إلى قول مبهم تماما، والغريب أن الباحث يوسف الإدريسي يقتطع عبارة "المحاكاة التي تكون بسبب اللذة" وهي صياغة لا معنى لها دمرت مبنى ومعنى العبارة الأصلية الآتية: "فلما كان الشاعر يجب عليه أن يجتلب اللذة التي تهيؤها الرحمة والخوف بفضل المحاكاة..."، لأن عبارة متى عكست المعنى تماما لتصبح المحاكاة بسبب اللذة لا اللذة بسبب المحاكاة! لكن الإدريسي مع ذلك يستخلص من عبارة متّى الشائهة أن المحاكاة وسيلة جمالية للتمثيل الشعري وأداة فنية لإثارة انفعالات المتلقي وللتأثير على أفعاله، وهو استنتاج غريب لا علاقة له بقول أرسطو لا في مدلوله الأصلي ولا في عرْضه الشائه عند متّى!!

   لقد تحول متى عند الباحث إلى مرجعية ثابتة في دراسته، كشأنه حين تناول تفاوت مصطلحات الفارابي في نصيه عن الشعر، وهما: "رسالة في قوانين صناعة الشعراء" ورسالته الموسومة بـ "جوامع الشعر"، ويقصد الباحث بهذا التفاوت هيمنة مصطلحات بعينها في إحدى الرسالتين دون الأخرى فالرسالة الأولى تهيمن عليها مصطلحات التمثيل، ومثل، والوهم، وهي المصطلحات الغائبة عن الرسالة الثانية التي يهمن عليها مصطلح التخييل، وخيّل الغائبان عن الرسالة الأولى.[35]

  ويرى الباحث أن هذا التفاوت يجد تفسيره " في خصوصية الزمن الثقافي لكل واحدة منهما، فالمرجح أن يكون الفارابي كتب رسالته الاولى في لحظة زمنية غير بعيدة عن لحظة ترجمة متى بن يونس لكتاب الشعر، أي قبيل اكتمال تشكل مصطلح التخييل واستقراره في مجال الإبداع الفني".[36] أي أن كلمة "التخييل" التي لا معنى لها في ترجمة متى أصبحت لحظة فارقة هناك ما قبلها وما بعدها! والواقع أن الدراسات الرصينة تنسب مصطلح التخييل في علاقته بدرس الشعر إلى الفارابي دون غيره.[37] بل يعد ما قدمه في هذا المجال تجاوزا لأرسطو نفسه، فالفارابي كما يشير إلى ذلك "جابر عصفور" وصل بين "ما كتبه أرسطو عن الشعر وما كتبه عن النفس ومزج بينهما، مما أدى به إلى إقامة نظرية المحاكاة الأرسطية على أساس نفسي مكين. ويتجلى ذلك في أن الفارابي نظر إلى الشعر من حيث تشكله وتأثيره في المتلقي على أنه عملية "تخيل" وبذلك صنع الفارابي ما لم يصنعه أرسطو نفسه. إذ أن أرسطو لم يستخدم في كتابه "فن الشعر" الكلمة الدالة على ملكة التخيل "فنطاسيا" ولم يشر إليها بطريقة أو بأخرى ".[38] ولعله من الغريب أن يتحدث الإدريسي عن استقرار مصطلح التخييل في مجال الإبداع الفني لا في مجال الدرس الفلسفي أو حتى البلاغي، ففي هذه العبارة خلط شديد ولُبْس بيِّن يشي بعدم دقة الباحث.

   والواقع أن فرضيته حول استعارة الفارابي مصطلح التخييل من متى واهية تماما للأسباب الآتية:

1- أن متّى ليس أول من استخدم مصطلح التخييل في علاقته بالشعر، فكلمة التخييل التي وردت في مخطوط كتابه، مرة واحدة فقط، لا صلة لها بمفهوم التخييل بل هي غامضة تماما شأن بقية عباراته، بل هي مجرد تصحيف لكلمة تجميل كما اقترح تصويبها بدوي لأنها وحدها التي تعبر عن مضمون النص الأصلي الصحيح. فأرسطو يتحدث عن تحسينات أو إضافات إلى التراجيديا وهي تحسينات مرئية لأن التراجيديات اليونانية لم تكن تُقْرأ بل كانت تُمثل أمام الجمهور. وهذا ما تؤكده بشكل قاطع كثير من الترجمات العربية والعالمية كما رأينا، ولو كانت كلمة التخييل بالمعنى الذي يتمناه الباحث لتواترت وتكررت في ترجمة متى.

2- أن اطلاع الفارابي على ترجمة معاصره متّى ليس مؤكدا لأنه من المحتمل أن يكون عارفا باليونانية.[39] وبالتالي فمن المحتمل أن يكون قد قرأ كتاب أرسطو في لغته الأصلية. كما أن ترجمة متّى غير قابلة للقراءة ويستبعد أن يكون الفارابي قد استفاد منها أدنى استفادة.

3- أن رسالة الفارابي الثانية- وهي التي يهيمن عليها مصطلح التخييل- فيها شاهد قوي على أن مرجعية الفارابي أفلاطونية وهي تعريفه للمحاكاة حيث يقول:" وكما أن الإنسان إذا حاكى بما يعمله شيئا ما، ربما عمل ما يحاكي به نفسه، وربما عمل مع ذلك شيئا يحاكي ما يحاكيه. فإنه ربما عمل تمثالا يحاكي زيدا، وعمل مع ذلك مرآة يرى فيها تمثال زيد.... ".[40]ومن الواضح هنا كما يقول محقق الرسالة نفسه أن الفارابي ينقل عن الكتاب العاشر من الجمهورية[41]، ومحصلة كل ذلك أن فيلسوفنا المسلم يعتمد على مصادره الخاصة لا على ترجمة متّى الشائهة تحديدا.

 3.1 الفصل الثالث:

  أما الفصل الثالث المعنون بـ"الإدراك الذهني عند الفلاسفة المسلمين ملكاته النفسية ومستوياته الدلالية" فهو بدوره لا يضيف أي جديد إلى ما قدمه باحثون سابقون مثل " ألفت كمال الروبي" في الفصل الأول من كتابها "نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين" الذي خصصته "لمكانة الخيال بين قوى الإدراك الإنساني". [42]ولا ما قدمه عثمان نجاتي في دراسته الرائدة "الإدراك الحسي عند ابن سينا" ولا سيما في الفصل الرابع عشر المخصص للقوة الوهمية أو الوهم، والفصل الخامس عشر المخصص للذاكرة، والفصل السادس عشر المخصص "للتخيل أو القوة المتخيلة أو المفكرة"،[43] وهو وإن كان يخصص كتابه لآراء ابن سينا إلا أنه لا يخلو من عرض لآراء غيره من الفلاسفة والمتكلمين والصوفية كالفارابي والغزالي.

4.1 الفصل الرابع:

   في الفصل الرابع من كتابه المعنون ب "توظيف الفلاسفة المسلمين لمفهوم التخييل" وفي سياق عرضه لدلالة مصطلح التخييل عند الفارابي يستشهد الباحث بقوله: " الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن تنهض بالسامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما من طلب له أو هرب عنه ومن نزاع أو كراهة له أو غير ذلك من الأفعال..."[44] ليستخلص من ذلك أن هذا التصور الذي يربط الشعر بالتخييل يبدو غريبا عن شعرية أرسطو.[45]، لكن، إذا كان مصطلح التخييل أصيلا بلا شك عند الفارابي، فإن وظيفة الشعر العملية، أي تأثيره الأخلاقي على المتلقي بحيث يدفعه إلى فعل الشيء أو النفور منه ليست فكرة أصيلة عنده، بل هي فكرة أفلاطونية بارزة في الجمهورية، فعلاقة الشعر بالتربية أو "البايديا" عند أفلاطون هي من أهم مرتكزات نقده للشعراء التراجيديين في الكتاب الثالث من جمهوريته.[46] وقد علمنا تأثر الفارابي بأفلاطون في رسالته عن الشعر، وهذا يقودنا إلى أنه كان في حديثه عن وظيفة الشعر أفلاطونيا لا أرسطيا.

   كما يستشهد الباحث بقول ابن سينا: "ونقول نحن أولا: إن الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة".[47] ويعقب عليه بقوله: "فعبارة "ونقول نحن أولا" تدل -فيما يبدو- على أن ابن سينا وعى وجود "ثغرة" في كتاب الشعر سببها إغفال أرسطو التنبيه على الأساس التخييلي للعملية الشعرية...".[48] وهنا يتبدى تناقض صريح لدى الباحث، فهو في الفصل الأول، كما سبقت الإشارة إليه، يزعم أن أرسطو يتحدث عن التخييل حين قال معقبا على تقسيمه لأنواع المحاكاة :" " ...يميز أرسطو هنا – في معرض حديثه عن طبيعة التخييل الشعري وحدوده- بين ثلاثة مستويات من الإبداع الشعري.."[49]، ولكنه هنا يتحدث عن إغفال أرسطو التنبيه على الأساس التخييلي للعملية الشعرية!

   وفي معرض شرحه لقول ابن سينا الآتي في التفريق بين التخييل والتصديق: "..لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق، وكثير منهم إذا سمع التصديقات استكرهها وهرب منها. وللمحاكاة شيء من التعجيب ليس للصدق، لأن الصدق المشهور كالمفروغ منه ولا طراءة له، والصدق المجهول غير ملتفت إليه. والقول الصادق إذا حرّف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس، فربما أفاد التصديق والتخييل معا".[50]

  يقول الإدريسي شارحًا ومعقبا: "فالصدق المشهور هو مختلف المعاني العادية والمألوفة التي تؤدي وظيفة تواصلية خالصة في الكلام اليومي، ولا تنطوي على أية قيمة فنية، أما الصدق المجهول فهو تلك المعاني والصور التي يبهر بها الشاعر المتلقين، ويكشف لهم من خلالها عن التشكلات الجميلة والعجيبة للموجودات التي تمر أمام أعينهم دون أن ينتبهوا إليها ويستشعروا الإيحاءات البديعة التي تنطوي عليها. بيد أن الصدق الفني لا يخلو من محتوى تخييلي، لأنه لا ينقل الموجودات كما هي في الواقع، ولكنه يعيد تركيبها بصور جديدة حتى تقع موقعا خاصا في النفس وتولد فيها مشاعر اللذة والإعجاب. وهذا ما قصده ابن سينا بالجملة الأخيرة من النص".[51]

  والواقع أن كلام ابن سينا لا صلة له بشرح الإدريسي، فالصدق المشهور ليس لغة الكلام اليومي فهو لم يكن أبدا موضوعا للدرس عند القدماء، بل المقصود به ما هو معلوم بالضرورة وعُبِّر عنه نثرا لا شعرا، فابن سينا يضع لغة الشعر أي المحاكاة بإزاء الصدق ولهذا قال: " وللمحاكاة شيء من التعجيب ليس للصدق"، وحين يتحدث عن الصدق المجهول فهو يتحدث عن غموض القول الخطابي ولهذا قال" لا يلتفت إليه" فكيف إذن استنتج الإدريسي أن هذا الصدق الذي لا يلتفت إليه بسبب غموضه أو إبهامه "هو تلك المعاني والصور التي يبهر بها الشاعر المتلقين...الخ "؟!

   وكيف استنتج الباحث من العبارة الأخيرة لابن سينا أنه يتحدث عن "الصدق الفني" وأنه يتحدث عن تركيب الموجودات بصور جديدة...الخ؟ بينما من الواضح أنه يتحدث عن الصدق أي الخطاب الإقناعي حين يستعين بالتخييل. فكل الفلاسفة المسلمين -وابن سينا ضمنهم- نظروا إلى التخييل الشعري "على مستوى التشكيل والتأثير مقارنا بالتصديق البرهاني، والظن الجدلي، والمغالطة السوفسطائية، والإقناع الخطابي".[52] فالتصديق بلا ريب هو في مطلق الأحوال قسيمٌ عندهم للتخييل، وبالتالي فالصدق هو قسيمٌ للشعر.

   إن ما تناوله الباحث في هذا الفصل ينحصر في مسائل مطروقة من قبل مثل التباس مصطلحي المحاكاة والتخييل بالمصطلحات البلاغية كالتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والتمثيل،[53] فقد تناولت "ألفت كمال الروبي" هذا الأمر،[54] كما تناوله عصام قصبجي بتفصيل أدق عند كل من ابن سينا وابن رشد.[55] لكن ما تغفله دراسة يوسف الإدريسي وبقية الدراسات هو أن مفهوم التخييل ليس ذا طبيعة إجرائية فنقله من مستوى التنظير إلى مستوى الإجراء يتم بصفة حتمية عبر المصطلح البلاغي، فحازم القرطاجني بعد مقدماته النظرية المأخوذة من ابن سينا مثل مقارنته بين الصناعة الخطابية القائمة على تقوية الظن والصناعة الشعرية التي تقوم على تخييل الأشياء التي يعبر عنها بالأقاويل وبإقامة صورها في الذهن بحسن المحاكاة ،[56]ومقارنته بين المحاكيات الشعرية عند اليونان الذين كانت أشعارهم كما يقول:"أغراضا محدودة في أوزان مخصوصة ومدار جل أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود.....ولو وجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال، والاستدلالات.....وحسن مآخذهم ومنازعهم وتلاعبهم بالأقوال المخيلة كيف شاؤوا، لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية".[57]رغم هذه المقدمات النظرية، فإن حازما حين ينتقل إلى الإجراء لا يستنجد إلا بالمصطلحين العروضي والبلاغي، فكتابه يتضمن عرضا وافيا للأوزان والقوافي وقواعدهما،[58] كما يستقصي بعض الألوان البديعية والبلاغية كالمقابلة والتقسيم والتفريغ والتحجيل والاستهلال والتخلص والاستطراد ...الخ[59]، والخلاصة التي يمكن الاطمئنان إليها أن ما وقع فيه حازم هو نوع من الفصام بين النظرية والتطبيق، ففي مقدماته النظرية يتحدث عن المحاكاة والتخييل والصدق والكذب مستأنسا بآراء ابن سينا، لكنه في ارتحاله من التنظير إلى الإجراء يستعيد المصطلحات البلاغية والعروضية والمفاهيم النقدية التي شاعت عند كبار النقاد القدماء كأغراض الشعر والألوان البديعية والبلاغية. وسبب هذا الفصام أن مصطلح التخييل هو بطبيعته ليس إجرائيا فلا يمكن أن يستخدم بديلا لمصطلحات التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز لأنه ذو طبيعة فلسفية-سيكولوجية عامة ومجردة.

   ومما تناوله الادريسي في هذا الفصل مصطلح التغيير -الذي تعود أصوله إلى الترجمة العربية القديمة لكتاب الخطابة-، ويستشهد الباحث هنا بقول ابن سينا: "اعلم أن القول يرشق بالتغيير، والتغيير هو ألا يستعمل كما يوجبه المعنى فقط، بل أن يستعير، ويبدل، ويشبه. وذلك لأن اللفظ والكلام علامة ما على المعنى، فإنه إن لم يدل على شيء، لم يكن مغنيا غناء اللفظ. فينبغي أن يكون له في نفسه حال يكون بها ذا رونق، حتى يجمع إلى الدلالة حسن التخييل".[60] ليستنتج من كلام ابن سينا أن التغيير وسيلة تعبيرية تتم باستعمال الكلمات في غير معناها الأصلي والخروج بالتراكيب اللغوية عن بنائها الطبيعي المألوف. [61]ويورد الباحث عدة شواهد للفيلسوفين ابن رشد وابن سينا ليخلص منها إلى استنتاج مهم وهو أن التغيير "في تصور الفلاسفة المسلمين جنس بلاغي عام تندرج ضمنه أساليب التشبيه والاستعارة والتمثيل والمجاز، وهو أسلوب تعبيري خاص بالشعر وأكثر ملاءمة لطبيعته الفنية".[62] لكن الباحث لا يضيف هنا جديدا إلى ما سبق أن لاحظه وقرره جملة من الدارسين مثل الأخضر جمعي،[63] ومثل أحمد درويش الذي يرى أن ابن رشد في تلخيصه لكتاب أرسطو يطرح "مجموعة من الأسس التي أصبح بعضها مرتكزا للنظريات النقدية الحديثة في هذه القضية، ومن أبرز هذه الأسس مبدأ "العدول" و"المجاوزة" أو ما يشيع ترجمته باسم الانزياح ترجمة للمصطلح Ecart [64]"   ومثل ألفت كمال الروبي التي أسهبت في الحديث عن مفهوم التغيير عند كل من ابن سينا وابن رشد وكيف أن هذا المفهوم كان أوضح وأوسع دلالة عند ابن رشد.[65]

 

2. الخاتمة:

   باعتبار كتاب "التخييل والشعر" ليوسف الإدريسي منخرطا في سياق المحاولات النقدية التي قاربت موضوع التخييل الشعري من منظور الفلاسفة المسلمين، مع كونها الأحدث زمنيا حيث جاءت بعد دراسات عديدة سابقة ألمعنا إلى بعضها، فإن المتلقي لكتابه يتوقع جدة في الطرح ومباينة -ولو نسبية- لاجتهادات سابقيه، لكننا لاحظنا أن كتابه لا يضيف جديدا إلى القضايا التي تناولها سابقوه كمفهوم التخييل الشعري وتطوره، وكذا الإدراك الذهني وأنواعه ومستوياته عند الفلاسفة المسلمين، وتوظيف الفلاسفة المسلمين لمصطلح التخييل.

  أما الأطروحة الأساسية التي بنى عليها الكاتب دراسته فهي مركزية مصطلح التخييل في ترجمة متى بن يونس القنائي وهي أطروحة شديدة التهافت كما أثبتنا ذلك من خلال عدة شواهد قاطعة تثبت أن الكلمة مصحفة وأنها لا تدل في السياق الذي أوردها فيه متى على أي معنى يُعتد به، وقد قادت هذه الفرضية الخاطئة صاحب الكتاب إلى افتراضات واهية تفرعت عنها كتأثر الفارابي بترجمة متى ومصطلح التخييل عنده، كما قادته إلى تعسف شديد في التأويل أبرزنا نماذج منه في بعض تأويلاته لنصوص من ترجمة متى غير القابلة للقراءة بإجماع الباحثين.

الهوامش والإحالات:



[1]  ينظر: عبد الرحمن بدوي، ترجمة وشرح وتحقيق كتاب أرسطوطاليس، فن الشعر مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، مكتبة النهضة المصرية، ط1، القاهرة، 1953. ص ص 50-51، إبراهيم حمادة (مترجِم)، كتاب أرسطو في الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، القاهرة، 1983. ص ص 44-45.

[2]  ينظر، عبد الرحمن بدوي، المرجع نفسه، ص 50، إبراهيم حمادة، المرجع نفسه، ص ص 45-46.

[3]  ينظر عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 52، حيث يشير إلى أن تلخيص الفارابي ظهر بعد تلخيص الكندي المفقود، وهذا يعني أنه هو الأسبق زمنيا من بقية الفلاسفة الذين شرحوا ولخصوا كتاب أرسطو في الشعر -أي ابن سينا وابن رشد- وأسبقهم إلى استخدام مصطلح التخييل في علاقته بالشعر.

[4]   الفارابي، جوامع الشعر، (ملحق بكتاب تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر)، تحقيق وتعليق محمد سليم سالم، لجنة إحياء التراث الإسلامي، د ط، القاهرة، 1391-1971، ص 174.

 

[5] ينظر: الأخضر جمعي، نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين، ديوان المطبوعات الجامعية، د.ط، الجزائر، 1999، ص 45.

[6] صدرت الطبعة الأولى للكتاب سنة 1433ه/ 2012م في طبعة مشتركة عن منشورات ضفاف اللبنانية ومنشورات الاختلاف الجزائرية ودار الأمان المغربية.

[7] يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، ص ص 39-40 وتنظر: جمهورية أفلاطون، دراسة وترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، د.ط، الإسكندرية، 2004، ص ص 514-515.

[8] يوسف الإدريسي، المرجع نفسه، ص 40.

[9]  أفلاطون، الجمهورية، ص 17 (بإيجاز).

[10]  عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص ص 71-72.

[11] يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص 63 (بإيجاز).

[12]  المرجع نفسه، ص 72.

[13] ينظر للتوسع في هذه المسألة:

Claude Calame. La poésie lyrique grecque, un genre inexistant ?. In: Littérature, n°111, 1998. pp. 87-110

[14]  عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 18.

[15] ينظر، جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، ط 3، بيروت، الدار البيضاء، 1992، ص ص 17- 41.

[16]  ينظر: محمد عثمان نجاتي، الإدراك الحسي عند ابن سينا، ديوان المطبوعات الجامعية، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط 3، الجزائر، 1995، ص ص 195-197.

[17]  يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص ص 92-93.

[18]  عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 94، وينظر الهامش 8 من الصفحة نفسها.

[19]  المرجع نفسه، ص 16.

[20]  إبراهيم حمادة، المرجع السابق، ص 82.

[21] شكري محمد عياد، كتاب أرسطوطاليس في الشعر، نقل متى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي، (تحقيق ودراسة مع ترجمة حديثة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د.ط، القاهرة، 1993، ص ص 44-45.

[22] Aristote, Poétique, traduit par J. Hardy, Préface par Phillipe Beck, Gallimard, Paris, 1995, P 85.

[23] Aristote, Poétique, Traduction du grec par Odette Bellevenue et Séverine Auffret, Éditions Mille et une nuits, Paris, Mars 1997, P 15.

[24] S. H. Butcher, Aristotle’s Theory of Poetry and Fine Art, With a critical text and translation of 

The  Poetics, With a prefatory essay “Aristotelian Literary Criticism’ by John Gassner, Fourth Edition, Dover Publications, New York, 1951, PP 19-21.

[26]   يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص ص 92-93.

[27]  عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 112.

[28]  يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص 104.

[29] عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 38.

[30] المرجع نفسه، ص ص 38-39، هامش 2-

[31]  شكري محمد عياد، المرجع السابق، ص ص 80-82.

[32] Aristote, Poétique, traduit par J. Hardy, op.cit. P 102.

[33] Aristoteles, Poetica, versión por Juan David García Bacca, op.cit. P 20.

[34] S. H. Butcher, Aristotle’s Theory of Poetry and Fine Art, op.cit. P 49.

[35]  ينظر الجدول الذي جمع فيه تلك المصطلحات في الصفحة 160.

[36] المرجع نفسه، ص 161.

[37] ينظر مثلا، صلاح عيد، التخييل، نظرية الشعر العربي، د.ط، مكتبة الآداب، القاهرة، د ت، ص 23.

[38] جابر عصفور، الصورة الفنية، سبق ذكره، ص 22.

[39] ينظر: الفارابي، جوامع الشعر، مرجع سبق ذكره، من تصدير محمد سليم سالم للرسالة، ص 167.

[40] المرجع نفسه، ص 175.

[41]  المرجع نفسه والصفحة نفسها، الهامش 1.

[42] ألفت كمال الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، ط 1، دار التنوير، بيروت، 1983، ص ص 17-68.

[43] ينظر محمد عثمان نجاتي، المرجع السابق، الصفحات 172، 183، 194 على التالي وما يليها.

[44]  الفارابي، جوامع الشعر، سبق ذكره، ص 175.

[45]  يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص 177.

[46]  ينظر: أفلاطون، الجمهورية، ص 246 وما بعدها. وتنظر دراسة فؤاد زكريا القيمة التي صدَّر بها ترجمته ص ص 129-134.

[47] ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب الشفاء، ضمن عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 161.

[48]  يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص 177.

[49] المرجع نفسه، ص 63.

[50]  ابن سينا، المرجع السابق، ص 162.

[51]  يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص ص 182-183.

[52] ألفت كمال الروبي، المرجع السابق، ص 119.

[53] ينظر الإدريسي، المرجع السابق، ص ص 161-162.

[54]  ألفت كمال الروبي، المرجع السابق، ص ص 117-119.

[55]  ينظر، عصام قصبجي، أصول النقد العربي القديم، د.ط، منشورات جامعة حلب، 1411ه-1991م، الصفحات88- 91 وكذا 93-94.

[56]  حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ط 3، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986، ص 62.

[57]  المرجع نفسه، ص ص 68-69.

[58]  المرجع نفسه، ص ص 226-283.

[59]  ينظر المرجع نفسه، الصفحات 52-61، وكذلك الصفحات 295-322 مثلا. 

[60]  ابن سينا، الخطابة، ص 202، نقلا عن يوسف الإدريسي، المرجع السابق، ص 199.

[61]  يوسف الإدريسي، المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[62]  المرجع نفسه، ص 203.

[63]  الأخضر جمعي، المرجع السابق، ص ص 158-159.

[64]  أحمد درويش، محاولات ابن رشد لتعريب الأفكار النقدية والبلاغية لأرسطو، ضمن كتاب، ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب، راجعه وأعده للنشر مقداد عرفة منسية، ط1، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المجمع الثقافي، تونس، 1999، ص ص 199-200.

[65]  تنظر، ألفت كمال الروبي، المرجع السابق، ص ص 201-230.

قائمة المصادر والمراجع :

1- يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية، ط1، منشورات ضفاف اللبنانية ومنشورات الاختلاف الجزائرية ودار الأمان المغربية، 1433ه/ 2012م

المراجع العربية:

2- إبراهيم حمادة (مترجِم)، كتاب أرسطو في الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، القاهرة، 1983

3- أحمد درويش، محاولات ابن رشد لتعريب الأفكار النقدية والبلاغية لأرسطو، ضمن كتاب، ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب، راجعه وأعده للنشر مقداد عرفة منسية، ط1، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المجمع الثقافي، تونس.1999

4- الأخضر جمعي، نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين، ديوان المطبوعات الجامعية، د.ط، الجزائر، .1999

5- أفلاطون، الجمهورية، دراسة وترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، د.ط، الإسكندرية، 2004.

6- ألفت كمال الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، ط 1، دار التنوير، بيروت، 1983.

7- جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، ط 3، بيروت، الدار البيضاء، 1992.

8- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ط 3، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986.

9- شكري محمد عياد، كتاب أرسطوطاليس في الشعر، نقل متى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي، (تحقيق ودراسة مع ترجمة حديثة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د.ط، القاهرة، 1993.

10- عبد الرحمن بدوي، ترجمة وشرح وتحقيق كتاب أرسطوطاليس، فن الشعر مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، مكتبة النهضة المصرية، ط1، القاهرة،1953

11- عصام قصبجي، أصول النقد العربي القديم، د.ط، منشورات جامعة حلب، 1411ه-1991م

12- الفارابي، جوامع الشعر، (ملحق بكتاب تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر)، تحقيق وتعليق محمد سليم سالم، لجنة إحياء التراث الإسلامي، د ط، القاهرة، 1391-1971.

13- محمد عثمان نجاتي، الإدراك الحسي عند ابن سينا، ديوان المطبوعات الجامعية، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط 3، الجزائر، 1995.  

المراجع الأجنبية:

 

1- Aristote, Poétique, traduit par J. Hardy, Préface par Phillipe Beck, Gallimard, Paris, 1995.

2- Aristote, Poétique, Traduction du grec par Odette Bellevenue et Séverine Auffret, Éditions Mille et une nuits, Paris, Mars 1997.

3- Aristoteles, Poetica, versión directa, introducción y notas por Juan David García Bacca, Universidad Nacional Autónoma de México, 1945.

4- Claude Calame. La poésie lyrique grecque, un genre inexistant ?. In: Littérature, n°111, 1998.

5- S. H. Butcher, Aristotle’s Theory of Poetry and Fine Art, With a critical text and translation of  The  Poetics, With a prefatory essay “Aristotelian Literary Criticism’ by John Gassner, Fourth Edition, Dover Publications, New York, 1951.

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire