Nombre total de pages vues

lundi 6 décembre 2010

شريف الشافعي : شاعر الوحدة الفار إلى كوكب افتراضي








شريف الشافعي: شاعر الوحدة الفار إلى كوكب افتراضي

يبدو الشاعر الشفاف حد الغموض ، شريف الشافعي استثناء من عدة نواح:
من ناحية معجمه ما بعد الحداثي أو فائق الحداثةPost-moderne ، و من خلال تيمة الوحدة و التفرد التي تعلن انسحابه من العالم الواقعي و انتماءه إلى عالم افتراضي نسجت خيوطه من حقول متباينة يمكن ان نحصرها في الحقل الرومنسي و الحقل الحاسوبي الأنترنيتي ، و الحقل الواقعي المستوحى من لغة الإعلام .
إذا تناولنا المفردة الحاسوبية الأنترنيتية وحدها عند الشاعر أمكننا اعتبارها الإيقونة المثلى لتيمة التوحد و العزلة ، فالشاعر المعتكف والمنعكف على حاسوبه هو الشاعر المنسحب من الواقع ، و لكنه في الآن نفسه المطل عليه من نافذة كونية فسيفسائية ، بحثا عن مثل أعلى أو عن نيرمانا أو نيرفانا التي تختصر كل النساء و كل اللذائذ و كل القيم..لكن ما يعثر الشاعر به في النهاية هو هذه اللغة أو الكائن اللغوي المسمى قصيدة فليست نيرمانا او نيرفانا في النهاية إلا القصيدة.
لكن القصيدة عنده كالحلم ، او كتجسد نيرمانا نفسها التي قد تكون مجعدة الشعر ، او ابتسامة " غير قادرة على الطيران" أو أصفارا تحلق فوق رأس الشاعر ..إنها نيرمانا المؤجلة ، أو القصيدة غير المكتملة دوما..أو هي القصيدة المستحيلة التي تستنفد كل احتمالات الكتابة ، و كل حيل التجريب من نيرمانا Nirmana إلى نيرما Nirma إلى نيرميتا Nirmitta ..و صولا إلى N أو النون ، و ما يسطرون....لكن الاحتمالات ال16 تتوج بأصفار 16 تحلق فوق رأس الشاعر حاملة أجزاء من مخه المستنفد في رحلة البحث المستحيل عن تجسد نيرمانا أو نيرفانا...أو النون.الحل ليس إلا الهروب من لعبة الشكل ، و الهجرة بالتالي إلى كوكب آخر ، إلى كوكب البداية و المعنى العذري حيث يغيب الاصطناع و التجريب و التشذيب ، أو حيث لا أحد يقلم أظافره..
لكن بعض مفاصل التجربة عند الشافعي تضج بدعوى الاكتمال..أو فلنقل تضج بنرجسية الشاعر القابض أو الذي يكاد يقبض ، على رؤياه و لغته بعد طول بحث ، و لكن " نيرمانا" الشافعي تظل ، في ظل نرجسية الامتلاك ، ضوءًا وامضًا و منطفئا ً باستمرار ، أو فلنقل هي حضور غائب ، و غياب حاضر ، أو هي بلغة أقرب إلى لغة الكشف و الإشراق الذات نفسها في انكشافها لذاتها و احتجابها عنها:

رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ

....
تتسرَّبين أيضًا بسهولةٍ في مسامِّ جِلْدِي المتشقِّقِ
تتشَّرَبُكِ ذرّاتي المترابطةُ
المتعطّشةُ إلى التحلُّلِ
في الجيرِ الحيّ
.........

تَوَقَّعْتُ حُلْمًا بديعًا في تلك الليلةِ
خصوصًا بعد أن قررتُ النوم بدون عشاءٍ
وبدون غطاءٍ

بالفعل
طَلَعَتْ نيرميتا من الشَّرْنقةِ
وراحتْ تُطقْطقُ عُنقَها بدلالٍ عدة مراتٍ
وأنا أُصَفِّقُ لها بحرارةٍ
........

رمالُ نيرمانا وغبارُِها الذّرّيُّ،
فوق جِلْدِي وَجِلْدِ حذائي،
تؤكّدُ أنها اخْتَرَقَتْ حدودي وأسلاكي الشّائكةَ
عابرةً من مكانٍ ما
إلى مكانٍ ما
........

نيرفانا
"
صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"
كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
........
في اعترافاتي أنا،
في منزلي ودون أي ضغوط،
ورد أني أغش الجميع،
حيث أحتضنهم بذراعين مستعارتين
بينما ذراعاي الحقيقيتان تطاردان نونا
أملاً في احتضانها.
....
خلف نيرمانا الممتدة أمامي كستار
أرى الحياة والموتَ بوضوحٍ على المسرح
وهما يتبادلان المقاعد والأدوار
وأرى نفسي مقبلاً نحوي بخطواتٍ متسارعةٍ
هل نيرمانا شفافةٌ إلى هذا الحدِّ،
أم أنها لا وجود لها؟

....
و الشاعر عند الشافعي ، هو المعادل لتيمة الوحدة ، التي أراها التيمة الأبرز في نصوصه.فالشعر هو موقف انعزالي من العالم ، أو فلنقل هو رؤية متعالية على الواقع ، تسعى إلى نسخه و إلغائه ، و اللبنات التي يبني بها الشاعر عالمه الجديد ليست إلا مفردات اللغة:
أصنعُ من خَجَلي المتورّمِ منطادًا
أصعد به إلى أقدمِ كوكبٍ في المجرَّة
حيث لا أحد يقلّمُ أظافِرَهُ الجميلةَ،
التي يحفرُ بها مسالكَ حياتهِ
ويحفرُ بها قَبْرَهُ
..
هذا المقطع الأخير يلخص كثيرا من الشافعي الشاعر و الإنسان.الشاعر الباحث عن البدايات ، أو عن معنى المعنى ، و الإنسان الباحث عن الجوهري و الخالد بعيدا عن قشرة الزائل و اليومي.

أخيرا ، هذا نص كيبوردي ، مرتجل ، مهدى إلى الشافعي:

نيرمانا
تسبح عارية في محبرتي..
و حين أقلب المحبرة..
على الورقة..
بخبث متلصص ..
يفاجئني صمت الورقة..
إلى أين هربت نيرمانا؟..
أحيانا يفاجئني طيفها في مرآة رقمية..
و أحيانا ..
أسمع أنينها الخافت
في طية حاسوبي المحمول..
و أحيانا يدغدغ أنفي طرف ردائها..
لكنني أبدا،
لم أحدق في عينيها.
قالت لي مرة:
إنك لن تراني
و إذا أردت أن تراني..
فانظر إلى حاسوبك..
فإذا استقرت حروفه
فسوف تراني.
نظرت إلى حاسوبي ..
فكدت أخرٌّ صعقا
حين قرأت الرسالة التالية:
We Cannot find your page


الدكتور رياض بن يوسف - الجزائر

منشور بموقع الحوار المتمدن يتاريخ2010/12/03

jeudi 11 novembre 2010

تشوش










تشوش

شبقي يتشوف للمرتقى الصعب..

يشعل شمل شرودي..

شبقي يتشاهق..

يشنق- محتقنا, شرها-

غيبتي بشهودي..

يشوش ما بين وجهي.. ووجهي..

فيحتشد الغبش الشبقي.. الشقي..

على شفتيَّ.. وعينيَّ.. شرنقةً

حجّمتْ وجهتي.. ونشيدي

.. وتشمخ أشرعة الشعر..

عشقا.. وشوقا.. إلى القعر..

والانحدار الشديد !!

2001

من ديواني " على مشارف...القصوى"

نار في الرسغ

نار في الرسغ

إنــي ركـبـت الـنـار.. و الـجــمرا

وشـربتُ أنْـخــاب الــردى حُـمْرا

إني سكـبت الــقـار.. في كـــبـدي

وطــلـيـتُ مـنه الـدرب.. والعمرا

إنــي خـرجـت مـن الـرؤى حـمما

لأريـكُـمُ.. آيـــاتــهـــا..الـكُــبــرى

إني كــتــبـــت عــلى مــنــابــعكم:

ســتــرونـني.. في الضفة الأخرى

كــي تــشـربـوا.. وجعي..وقافـيتي

حــســـكـًـا..فـلا ريــا..ولا شـكـرا

إنّــي.. وإنّكــمُ.. ســــواســـــيـــــة

لـكـن هُـدْبـي.. يـجرح الصــخــرا

سيعُضّـكم..من مــطـلعي..أحُـــــدٌ

يا أمـة.ً. تـتـكـلف. . الـطــهــــرا

فــــــــــــــاستنشقوا حرقي..زبانية

تـهـوي بـــكــــم وتـؤجـج..الحـبرا

واســـتـــطــعـمـوا أرقي..عصامية

تـــلـــتـــاث بي وتــؤرق العـصرا

مـــا كــــنــــت مِـرنـانا.. بـلا وتـر

أو كـــنـــت بوما.. يرهب الفــجرا

أو كنت فَدما.. حارثا.. لـــُـجَـــجًــا

أو كنت صـــــمــــتا..يلبس الشعرا

أنا لعنة الــــنـــاسـوت.. فارتقبوا

إني سَأ ُثـْخِنُ صَمْتكُـمْ.. هَـجــــْرا

1999

من ديواني " على مشارف... القصوى"

الصراخ


الصراخ


عدتُ إلى التحديق في لوحتي الأثيرة المعلقة على الجدار.. لوحة إدفارد مونش..

لم تكن اللوحة تقول شيئامحددًا بوضوح..كانت تصرخ في فراغ هلامي قاتم.. يبدو أن الأنامل التي أبدعت هذه اللوحة كانت متعبة، مرهقة من قوانين المسطرة والمدور فآثرَتْ تشردَها العفوي ذاك على استقرار زائف يربت بأستاذية على رأس يملؤه الكبت.

كانت ساذجة، بدائية القسمات، ومن سذاجتها وبدائيتها تستمد كل جمالها..

أجل، لم تكن اللوحة تقول شيئا محددا، لم تكن حِواريةً، و لهذا بالضبط كانت تقول كل شيء.

حولتُ بصري عنها إلى بقية ديكور الغرفة..إلى الثريا المنتقاة، و السجاد الفاخر، ورفوف مكتبتي الإيطالية، وكتبها ذات التجليد الفاخر... أخذ الضباب يحتضن الأشياء، ثم يأتي نحوي، يحتضن وجهي، يفتح حدقتي عينيَّ عنوةً.. ويتمطى داخلي، يبتلع نشوتي الصغيرة.. لم أعد أرى شيئا، لاذت عينايَ من خلال الضباب بجهة اللوحة.. فأخذ الوضوح يعود بالتدريج، ونفضتْ نشوتي الصغيرة عنها بقية الرذاذ.

.. عدت إلى التحديق في اللوحة، الصرخة المعلقة على الجدار..أخذ جسدي يصطبغ بألوانها الناشزة، و يتدثر بإطارها..

لكن حدقتيَّ انزلقتا فجأةً و هوتا إلى قرارة الروح إذ فتَحْتُ سهْوًا أحد أدراج الذكرى فرأيت وجوها قديمةً أغلبها عابسة صامتة، كانت تنضح كرهًا، و ترشح حقدًا.. شعرتُ باختناق شديدٍ فأقفلت الدرج بعنفٍ، و فتحت درجا آخر فرأيت وجهَ طفل تغشاه تقاسيم حزن رجولي.. أقفلت الدرج بيد ميتة، ثم اضطجعت- لأستريح من تعب انحنائي فوق أدراج الذكرى- على سرير الحلم، فرأيت على شاشة الوسادة فتى متوَرّم العروق يمسك بيده فأسا تشبه علامة استفهام ويحفر بها في أرض صلدة، ضاربا كل شبرٍ، كان يحفر..ويحفر..ويحفر علَّ السؤال يتصدّع فتتدفق الرؤيا عبر شقوقه.. لكن رنين الأرض الصلدة كان يتحدى عزيمته فيما يشبه القهقهة.. و كانت عروق يديه تزداد تورّمًا مؤْذنةً بانفجار وشيكٍ.. نهضتُ منتفضا من السرير و أعدتُ حدقتيَّ إلى وضعهما الطبيعي، ثم رحت أتأمل اللوحة الصارخة من جديد..

رأيتُ جسرا من الألوان يمتد بيني و بينها ويمتصني رويدًا.. رويدًا..

..أصبحتُ الآن داخل اللوحة تمامًا.

تبادل





تبادل

رآها تحلق بزعانفها تحت الماء..

وتمخر أجواء أليفة..

لكن شهوة القتل كانت أقوى..

من روعة المشهد..

فسقطت السمكة الطائرة..

في شباك الضرورة..

و ظلت تتخبط بين يدي جلادها..

بشراسة عصفور كـُـبِّـل جناحاه..

تملصت أخيرا منه..

و لكنها سقطت على خشب الزورق..

وفقد الصياد توازنه..

فسقط في الماء..

شهدت السماء وحدها هذه المأساة الملهاة..

صياد يغرق في الماء..

و سمكة تغرق في الهواء..


من مجموعتي القصصية " فضة و ذهب".

mardi 9 novembre 2010

خيانة


خيانة

(قصيدة نثرية)

رأيتها ترتدي كلماتي..

و تغري بها سواي..

....

نسِيَتْ أنني من لونتُ شعرها..

وكحَّلتُ أهدابها بإثمد الحبر..

و كورتُ مفاتنها..

فهربت من سطوري..

و أصبحت كلما رأتني تجفل مني..

وتسرع إلى امتطاء صهوة الريح.

2006
من مجموعتي الشعرية " تطريز على جسدها".

خيبة







خيبة

(قصيدة نثرية)

كانت شهوتي راعفة..

نازفة..كبركان..

جموحة..

كحصان راعه في وحدته ذيل فرس طروب..

مسنونة..

كرمح ظامئ لجهة ما..

متفاقمة .. لزجة..

كزبد ينطح صخر الشواطئ..

.....................

و لكنك ...

عرفت كيف تقتلين تدفقي..

كيف تحقنين احتقاني..

كان زرك الخفي..

نظرتك القزحية..

التي تـلون الكلمات..

و تجرح الصمت بنصال وردية..

قالت لي إحدى تلك النظرات:

" لست رجلي"..

" لست امرأتك "..

فتوقف الزمن.

2005

من مجموعتي الشعرية " تطريز على جسدها".

" أعراض"





"أعراض"

(قصيدة نثرية)

ساعات اليد..

أغلال الوقت

التي تصفدنا

***

الأحذية..

قوالب لامعة

تمنع الأقدام من الطيران..

***

الأثواب..

أجساد مستعارة..

تخفي إعاقتنا النفسية

***
العمارات الحديثة..

زنزانات انفرادية..

لغير المحكومين

***
المدن الاسمنتية..

غابات بديلة..

تقيم فيها

فصيلة حيوانية وحيدة

***
الأقمار الصناعية..

مرايا يرى فيها الكل وجوههم..

إلا الشعراء....

***

الطباعة الأنيقة..

جراحة تجميلية..

لأصواتنا القبيحة

***

الهاتف..

بورصة منزلية..

تحصي أسعار الحنين..

و تضطرنا إلى ادخار أشواقنا كل مرة..

***

الأسر العصرية..

قبائل

جديدة تسكن الشقق الضيقة..

بدلا من الخيام المفتوحة على الأفق..

***
الوجوه المعلبة في التلفاز..

هي مثل السردين المعلب..

لا ترانا..

و لا تسمعنا..

***

تلك بعض الأعراض الجانبية...

لداء إسمه الحضارة.

2010


من مجموعتي الشعرية " تطريز على جسدها".

ذاكرة













ذاكرة

(قصيدة نثرية)

قلت لها و قد تأهَّبتْ لطقس أليف

: حبيبتي..

لا تطفئي القنديل..

لا تلتحفي رداء السرير..

حدَّقتْ فيَّ بتساؤل بريئ ..

فقلت:

لقد علمتني أيقونات عابرة..

من ذاكرة الطفولة..

أن العري سر جمال الملائكة..

ابتسمتْ و هيأتْ لي وليمة الذكرى..

عرينا الغرفة أيضا من كل أثاثها..

أليس العراء أجمل الأثاث؟!..

ثم تعرينا من الوقت...

..و احتضن الأزل الأبد..

2005

فضة و ذهب


فضة.. و ذهب

حدثنا أبو العلاء المعري عن أبي العلاء المعري قال:

أذكر أن أول هدية لي كانت قماطي، و شيء ذهبي وضعوه في فمي حتى لا أصيح: واعْ ! واعْ! مطالبا بقوتي اليومي.

عندما كبرت قليلا تلقيتُ صفعة بليغة، فصيحة، متقنة، مثقلة بالدروس و العبر و مواعظ الأولين.. و كان السبب الخطير الذي سوغ مثل تلك العقوبة الهينة هو خطأ نحوي عفوي في اللغة الدارجة، لكنني فوجئت بطنين الصفعة يمرق بين فصوص مخي و يستوطن نخاعي الشوكي.

حاولت أن أطرد الطنين فأخذت أتصفح الموسوعة الرسمية الأحادية الحرف ذات التجليد الفاخر و الكتابة المُذهّبة بحثا عن وصفة للطنين و مشتقاته لكنني عدت خائبا من رحلتي الأفقية تلك. لا بد من رحلة عمودية. قصدتُ بحيرة الحبر.. تعريتُ من ثيابي كلها، فالعريُ أيقون الحقيقة كما علمني موتي، و غصت في بحيرة الحبر لأتنخل من أصدافها أشبهها بقلبي و أعلقها على نحري تميمة ضد الطنين... لكنني فوجئت بمدينة ورقية تسحبني إليها من أهداب عيني...

دخلتُ " بار التقوى" فرأيت شيخا جليلا تكسوه مهابة العارفين ، و كان يتوضأ من دنٍّ مترع بخمر معتقة. سلمت عليه و صارحته بهمي:

- يا قطب العارفين! الطنين يحجب عني الطريق..

قال لي:

- لقد صار سمعي قابلا كلَّ ضجَّةٍ

طنينٌ لزيزانٍ و ثغوٌ لحملان

خرجت من " البار" يائسا فوجدت كهلا حكيما يمشي في رواق مستطيل و حوله تلاميذه الذين كان يُرقِّع أمخاخهم المُمزقة بإبرة المنطق. صحت به:

- أيها المعلم! الطنين يمنعني من التفكير..

قال لي:

كل صوت يمكن وقفه

الطنين صوت

إذن فالطنين يمكن وقفه

قلت: كيف؟

حدق فيَّ باحتقار.. ثم عاد إلى تلاميذه المرضى.

استأنفت بحثي عن طبيب و وصْـفة و قد بدأ اليأس يتمكن مني، ففوجئت ب" مرسو"* يصوب نحوي مسدسه الشمسي، و كان يحجب عينيه بيده اليسرى حتى لا يراني لكن مسدسه كان يراني.

- بمْ!بمْ! قال المسدس.

.. و صحوتُ من كابوسي. كنت مستلقيا أمام بحيرة الحبر و يدي ممسكة بالصنارة التي طال انتظارها لصيد. فجأةً اهتزت الصنارة بجذل فرفعتها بوجل، و إذا بصيدي الثمين الذي كلفني انتظارُه كابوسا بحجم عمري..رزمةُ أوراق فضية ناصعة.

لقد تمادى الطنين في وقاحته. و لهذا قررت في لحظة تاريخية أن أقهره، أو أجاريه على الأقل بصفير مواز يخفف من حدته.

شرعت في التصفير، كجندب خجول في البداية، إلا أن صفيري لم يلبث أن أصبح عويلا متهدجا، مُثقلا بذكريات حزينة لها طعم الرماد.. حين يكون الرماد بقية قلب أحرقته الأحزان.

..و تذكرت فتاتي ذات الأساور، تلك التي ظننت يوما أن القدر أرسلها إلي لتصب بياض جسدها الغض في شرايين ضجري..تذكرت ُ كيف خطرت لي فكرة عذبة فشققتُ صدري و أهديتها قلبي الفضي، الدافئ، الحنون فمطت شفتيها استهانة، واستدارت، و ذهبتْ، ولم تعد أبدا.

كان صفيري يتعالى.. يُسامق الطنين و يأخذ بخناقه.. لكنني في ذروة النشوة، حين أينع صفيري كسيف فضي يوشك أن ينغرز في حنجرة الطنين، و جدتني في قفص الاتهام أخاطب القاضي، الذي لم يكن سوى جدي السابع، بصوتي الجريح:

- لماذا أنجبت جدي الأول قبل أن تستأصل نخاعه الشوكي؟

أجابني جدي ساخرا من خلال أسنانه الذهبية:

- مهْ! أوَ أمنع عنه الرحيق و الحرير و اللبن و ولائم الجسد؟ يا لغرابة منطقك !

قلتُ محتجا:

- و لكن العلقم والقار و الشوك و الحرمان أعزُّ نفرًا..

ظللنا نتلاسن، فتحول جدلنا إلى معركة حادة بين الصفير و الطنين ، غير أن قاعة المحكمة كلها تدخلت و ضمت طنينها إلى طنين القاضي فأغمي على صفيري، وكانت " الطنة" الأخيرة التي قصمت ظهره هي التي جاد بها حفيدي السابع.

.. بعد اختتام المداولات رأت المحكمة الموقرة أنني خاطئ و مخطئ و خطأ في تسلسل السلالة، فصدر حكمها النهائي بإعدام صفيري. جاءت مدرعة إسعاف وحملتني إلى ثكنة طبية، ثم أجريتْ لي عملية تجميلية قام خلالها الجراحون بوضع خاتم ذهبي حول حنجرتي.. بعد أن استأصلوا صفيري الفضي.


* *مرسوMersault بطل رواية" الغريب" للكاتب الفرنسي العنصري

" ألبير كامي".


من مجموعتي القصصية " فضة و ذهب"

سجون

سجون

(قصيدة نثرية)

الجسد..

سجن الروح.

الروح..

سجن الرغبة.

الرغبة..

سجن المعنى.

المعنى..

سجن الرؤيا....

2010

مواجهة

مواجهة

(قصيدة نثرية)

تراكم سواد الحروف..

تحفزعلى قوائمه..

متحديا سواد القدر..

السوادان يحدق بعضهما في بعض كثورين..

لكن المعركة لن تبدأ أبدا..

لأنها تقتصر على التحديق المتبادل...

2006

تعديلات على قاموس الضآلة




تعديلات على قاموس الضآلة

مدخل:


ماذا يحدث إذا سكب أحدكم –عامدًا- محتوى كأسه على كم قميص جليسه في مطعم شعبي؟ لا شك أن القضية ستصبح قضية شرف لأن القاعدة الاجتماعية تقول: من رشني بالماء أرشه بالدم، و أنا مضطر إلى أن أرشكمْ بالحبر فاعذروني..


حين غرد الغراب


ذات يوم غرّد الغراب المقهور، المطعون في شرف سلالته منذ الأزل، تدرب دهورًا محاولا التنصل من قدره وذات مرة تقيأ حنجرته السوداء، و حين أفاق من إغمائه أطلق زقزقة بديعة رائقة.. أذهلت المدى كلهُ.

تقدّمَ الغراب الغِرّيدُ إلى مسابقة فنية، كان يرأس لجنتها ثعلب عبقري يلوك جبنة قديمة.. رفضت لجنة المسابقة ترشيحه وكتبت على ظهر ملفه"مرفوض لأن ريشه شديد السواد"

و رشحت اللجنة بدلا منه ببغاءً جميل الريش رغم قبح صوته و كتبت في ملف ترشيحه"يحسنُ تقليد الأصوات التي يُلقــَّـنُها بأمانة ودقة ".


النملة و الجندب


عادت النملة الحكيمة إلى بيتها بعد أن قرّعت الجندب، فحشت بطنها الصغير بُرّا وحنطة، ثم جلست تحدق في الجدار، وبعد ذلك اضطجعت تحدق في السقف، ثم تقلبت ذات اليمين، ثم ذات الشمال، وأخيرا أخذت تفكر في طريقة للانتحار..

قتلها الضجر، فقصدت منزل الجندب بعد طول ترددٍ لتسأله من بعض ألحانه فوجدته على سرير المرض يتضور جوعا، أسرعت إلى مستودعها وأسعفته بما سد رمقه فأسعفها بما بدد جوعها الآخر..

قالت له و هما يتعانقان: لنرقص الآن معا...


معارك مائية


النهر الصغير يعلن التمرد ويقاطع سيده البحر متخذا وجهة أخرى.. لقد مل التبعية الأزلية. لماذا لا يكون هو نفسه بحرا أو أهم من البحر؟ ضحكت الغيوم و قالت له: أتستطيع أن تصنع و لو غيمة صغيرة؟! غضب النهر لهذا التحدي الساخر فقرر أن يواصل التمرد.. بعد مدة يسيرة جف البحرُ فماتت الغيوم الشامتة، و أصبح النهر الصغير طاغية يحفر لنفسه كل يوم ممرا قسريا جديدا، و في خاتمة المطاف أصبح بحرا عظيما تخدمه أنهار صغيرة..


باقل


حين سأله من هربت منهم أوطانهم، و فر منهم شرفهم عن ثمن الشاة التي يقودها، وتهيّأوا لوليمة الضحك العظيم، ابتسم باقل، ثم أخرج لهم لسانه..... فقط.


من مجموعتي القصصية " فضة و ذهب"