إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 21 يوليو 2018

المسرح الفلسفي: في سرديات أفلاطون


مقالي المنشور بمجلة الخطاب - مخبر تحليل الخطاب -جامعة مولود معمري 
بتاريخ 16-07-2018

المسرح الفلسفي: في سرديات أفلاطون
د.رياض بن يوسف
جامعة قسنطينة1
Abstract :
 I try in this essay to prove that the position of Plato against a Greek tragedy is'nt against pure poetry As  suggested by a many actual studies .we seek too to prove that the Plato's position was against tragedy as a narrative art, and then try to update Plato's position by linking it to the contemporary narrative theory,that is to say a Literary and cinema narratives.
مقدمة:
لا زال موقف أفلاطون من الشعر والشعراء التراجيديين، ونحن في بدايات الألفية الثالثة للميلاد، يستدعي كثيرا من البحث والدرس شرقا وغربا*. ومن المسلم به، عادة، عند سواد المثقفين أن موقف أفلاطون من الشعر التراجيدي هو العداء الذي بلغ حد طرد الشعراء من جمهوريته، فهل كان أفلاطون ضد الشعر والشعراء فعلا أم أنه ضد نمط معين من الشعر هو الشعر التراجيدي؟  وما قيمة وما مسوغات مثل هذا الاستدعاء لموقف أفلاطون من الشعر التراجيدي ونحن في القرن الواحد والعشرين؟ هل ثمة ما يمكن إضافته إلى السجال الشديد الثراء حول هذه القضايا بعيدا عن الاجترار، أي هل يمكن إعادة تأويل موقف أفلاطون وتحيينه على ضوء فرضيات جديدة مغايرة جزئيا أو كليا لما سبق طرحه بما يجعله وثيق الصلة بواقعنا الثقافي المعاصر؟
  لقد عُدَّ الموقف الأفلاطوني من شعراء التراجيديا نموذجا للصراع الأزلي بين الفلسفة والشعر بوصفه صراعا بين الوهم و الحقيقة ، أو بين الصدق و الكذب، من جهة، كما عُدَّ، من جهة أخرى، تناقضا أو على الأقل مفارقة في موقف أفلاطون تحتاج إلى تسويغ: فهو محب للشعر التراجيدي، متأثر بأسلوب هوميروس في صياغة محاوراته الفلسفية حتى قال لونجينوس في القرن الأول للميلاد عن أفلاطون أنه " الأكثر هوميرية من بين كل الكتاب"[1] وهو الرأي نفسه الذي ذهب إليه ماكسيموس التيري في القرن الميلادي الثاني، بينما تذهب الأفلاطونية الجديدة إلى حد المطابقة بين هوميروس و أفلاطون[2]، ولكنه رغم ذلك لا يتورع عن طرد "هوميروس" والشعراء التراجيديين في الكتاب العاشر من الجمهورية.
إن الفهم التقليدي لموقف أفلاطون من الشعر يظل اختزاليا لحد بعيد، ويندرج في سياق سوء الفهم العام الذي مس فلسفة أفلاطون في مجملها وتولدت عنه فلسفات لا أفلاطونية، ولا سيما في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد هيمنت على أوروبا في هذه الحقبة ، كما يقول ألان باديو نزعة لا أفلاطونية عامة بداية من <<لا أفلاطونية نيتشه الذي يؤكد أن أوروبا لا بد أن تشفى من مرض أفلاطون، ولا أفلاطونية الفلسفة التحليلية التي ترى أن نظام موضوعات الفكر لا يحيل إلى أية أفكار بل إلى بنى لغوية، ولا أفلاطونية الفينومينولوجيا "الظاهراتية" الوجودية التي ترى أن أفلاطون يغالطنا حين يفصل بين الماهية والوجود، واللاأفلاطونية الماركسية، حيث أن قاموس الفلسفة للاتحاد السوفييتي "السابق" عرّف أفلاطون بوصفه "المنظِر الأيديولوجي لـمُـلّاك العبيد" ثم لا أفلاطونية هايدغر الذي يرى في أفلاطون بداية العهد الميتافيزيقي للفلسفة، العهد الذي قاد إلى نسيان الكينونة وإلى العدمية>>.[3]
ولكن  هناك أيضا لا أفلاطونية الشعراء مثل إيف بونفوا صاحب النص المطول "ضد أفلاطون" الذي قرأه بعض النقاد -مع القصائد اللاحقة للشاعر أيضا -بوصفه مواجهة مفتوحة مع الفلسفة المثالية والميتافيزيقا وتحديدا نظرية المثل الأفلاطونية. [4]
ولكنْ، هل كان أفلاطون ضد الشعر والشعراء فعلا؟
  الواقع أن أفلاطون لم يكن منشغلا بنظرية نقدية حول الشعر أو الرسم أو الموسيقى رغم الحضور البارز لهذه الفنون في مشروعه السياسي الفلسفي، ورغم أن تاريخ النظرية الإستيطيقية لا يهمل الإشارة إلى موقف أفلاطون من الفنون إلا أن ما يجمع عليه الباحثون هو أنه لم يكن منشغلا بتأسيس علمٍ للجمال، ولم يُعْنَ بعرض نظرية مستقلة عن الفنون في كتاب أو محاورة قائمة بذاتها  تاركا هذه المهمة لغيره، فما كان يشغله كما لاحظ ذلك كلود عوباديا هو مبدأ العدالة التي كان حراس المدينة مطالبين بتحقيقها لأنها تعتمد على توازن القوى الخاصة بكل طبقة اجتماعية، فالفن أو ما كان يطلق عليه "الموزيكي"** مهمته التربية التي تحقق التوازن النفسي لطبقة الحراس وهذا ما دفع أفلاطون لتشييد نظرية مؤسسةٍ لسياسة ثقافية تقوم على الرقابة.[5]
فأفلاطون لم يكن ضد الشعر التراجيدي في ذاته، بل أخضعه لشروط صارمة في كتابيه الجمهورية، والقوانين، لأنه كان فنا جماهيريا موجها لعامة الناس على اختلاف أعمارهم. لقد تمحور برنامجه السياسي حول "البايديا" أو التربية فالبعد الجمالي عنده لا يمكن فصله عن الهم التربوي فالأول (أي البعد الجمالي) مُهَيمَنٌ عليه من الثاني. ولهذا استنتج أفلاطون في "الجمهورية" كما في " القوانين" << ضرورة إخضاع الكتاب لدفتر شروط سردي صارم وفرض مضمون مغاير عليهم>>[6]. لأن مهمتهم هي صقل نفوس الأطفال: حراسِ المدينة المستقبليين، وغرس قيم الشجاعة والأمانة والعدالة والخير فيهم.
لقد لاحظ أفلاطون في الكتابين الثاني و الثالث من الجمهورية أن ما يُلقَّن للأطفال في مرحلة مبكرة ينطبع فيهم و لهذا انتقد ، على لسان سقراط،  التراجيديات التي من شأنها أن تفسد الناشئين من خلال تمثيل الآلهة و الأبطال بطريقة باطلة كما فعل "هزيود" حين صور انتقام "كرونوس" من "أورانوس"  أبيه ، لأننا هكذا نعلم الناشئ أنه حين يثأر من أبيه، إن كان ظالما،  فإنه إنما يقتدي بما سبق أن فعله أول الآلهة و أعظمها. كما أن تصوير الآلهة و هي تقتتل و تكيد لبعضها لا يلائم تربية حراس المستقبل إذا أردنا لهم أن ينظروا إلى مقاتلة بعضهم بعضا على أنها عار ينبغي تجنبه....و سواء أكان المفروض أن لهذا القصص معنى أسطوريا أم لم يكن ، ذلك لأن الطفل لا يستطيع أن يميز الأسطوري من الواقعي، و لا يلائم حراس المستقبل أيضا تصوير العالم الآخر بتلك الصورة الكالحة الكئيبة الشائعة مادامت لا تنطوي على نصيب من الحقيقة ، و لا تفيد ناسًا مهمتهم ممارسة الحروب [7]  .
   أما في الكتاب العاشر فقد سعى أفلاطون، على لسان معلمه سقراط، إلى إثبات أن الشعر، مثل الرسم، محاكاة لمحاكاة أي أنه محاكاة من الدرجة الثانية، فالسرير مثلا يخلقه الله بوصفه الصانع الحقيقي لسرير حقيقي لا الصانع الجزئي لسرير خاص، والنجار يقلد صنعه أي أنه يحاكي خلق الله، ويأتي الرسام والشاعر التراجيدي في المحل الأخير ليحاكيا صنع النجار مما يجعلهما يحتلان المرتبة الثالثة بالقياس إلى عرش الحقيقة. الشاعر التراجيدي مثل الرسام هو مجرد صانع للصورة، لظاهر الأشياء، فهو لا يحاكي الشيء الحقيقي كما هو موجود بل الشيء الظاهر كما يظهر. وبما أنه لا يعرف إلا ظاهر الأشياء فإنه يقتصر على محاكاة ما يبدو خيرا للكثرة الجاهلة من الناس. إن شعر المحاكاة يمثل الناس في أفعالهم الإرادية و اللاإرادية التي يظنون أنفسهم بسببها سعداء أو أشقياء و يستسلمون نتيجة لذلك للذة أو الألم ، فهو لا يخاطب الجزء الأفضل من الناس الذي يسير وفقا للعقل بل يخاطب الجزء الذي يذكرهم بشقائهم ويدفعهم للحزن ، أي المبدأ الغضبي الذي يمد الشعراء التراجيديين بمادة غزيرة متنوعة للمحاكاة، بينما المزاج الحكيم الهادئ لا تسهل محاكاته لأنه يكاد يكون دائما مستقرا على حال واحدة، ومن الواضح أن الشاعر لا يميل بطبيعته إلى هذا المبدأ العاقل في النفس ولا يستطيع إرضاءه بفنه وذلك إذا أراد كسب شعبية بين الجماهير وإنما يكون أميل إلى الطابع المنفعل المتقلب الذي تسهل محاكاته، فأكبر عيوب الشعر أنه يغذي الانفعال بدلا من أن يضعفه، ويجعل له الغلبة، مع أن من الواجب قهره إن شاء الناس أن يزدادوا سعادة و فضيلة...ولهذا يطرد أفلاطون من جمهوريته هوميروس وأتباعه ولا يستبقي من الشعر إلا ذلك الذي يشيد بفضل الآلهة والأخيار من الناس.[8]
  نلاحظ أن النقد الأفلاطوني ضد الشعراء التراجيديين مزدوج، فهو من جهة نقد سياسي/ تربوي حين يلاحظ أن التراجيديات التي تقدم للجمهور، ولا سيما للأطفال، تفسد أخلاق حراس المدينة المستقبليين وتضعف أهليتهم وكفاءتهم في أداء مهمتهم الدفاعية، وهو من جهة أخرى نقد أنطولوجي / تربوي حين يلاحظ أن الشعر بعيد عن الحقيقة بثلاث مراتب لأنه مجرد محاكاة للظاهر، ولهذا فهو يحاكي ما يبدو خيرا للكثرة الجاهلة من الناس أي أفعالهم الإرادية واللاإرادية وجانبهم الانفعالي المتقلب فيغذي الانفعال على حساب العقل.
  من الواضح هنا أن الهم التربوي هو القاسم المشترك بين النقدين، فموقف أفلاطون من الشعر التراجيدي لم يكن ثورة فلسفية أو قطيعة معرفية مع نمط من الخطاب العرفاني أو الوجداني المضاد للخطاب العقلاني تحديدا بقدر ما هو موقف "براغماتي" يستبطن غايات تربوية وسياسية، وهو حين يوظف البرهنة الفلسفية الأنطولوجية في نقد المحاكاة فذلك لتصب نتائج هذه البرهنة في الوعاء التربوي أي أن المحاكاة ليست مرفوضة في ذاتها ولكن لنتائجها على عقول حراس المدينة المستقبليين.
المسرح الفلسفي: إن أفلاطون، إذن، لا يعتمد على معيار الحقيقة مثلما يذهب إليه جمهور المعلقين، بل على معيار المنفعة كما لاحظت ذلك الباحثة ليتيسيا موز،[9]وقد استقصت بحث الموقف الأفلاطوني من الشعر في كتاب "القوانين "بوصف الشعر يحتل مكانة مركزية في هذا الكتاب، أي أن محاورة "القوانين " هي قلب لمحاورة "الجمهورية" التي طُرد الشعراء التراجيديون منها في الكتاب العاشر، فالشاعر أصبح الأداة المفضلة للمشرّع الذي أصبح هو نفسه شاعرا، بعبارة أخرى، والقول للكاتبة، فالمسألة الشعرية << هي مفتاح لتفسير كتاب القوانين>>.[10]
ونتساءل كيف ذلك؟
 الجواب في مقالة للكاتبة نفسها تحلل فيها الفقرة الآتية من المحاورة:
<<.... أما الشعراء الذين يقدمون أنفسهم على أنهم جادون، والذين تخصصوا في التراجيديا، فقد يأتي بعضهم، افتراضا، إلينا ويقدمون لنا، تقريبا، الطلب الآتي:" أيها الغرباء، أيكون لنا الحق أم لا أن نكون في مدينتكم وبلدكم، وأن نحمل إليهما أعمالنا، فماذا قررتم في هذا الشأن؟ ما الجواب الأنسب لهؤلاء الرجال الإلهيين؟ في رأيي إنه الآتي: " أيها الغرباء الرائعون، كتاب التراجيديا، نحن أيضا مثلكم، وعلى قدر استطاعتنا كتاب التراجيديا الأجمل والأفضل. كل تنظيمنا السياسي يشكل محاكاة للحياة الأجمل والأفضل، وهذا ما ندعي، نحن على الأقل، أنه حقا التراجيديا الأشد أصالة. أنتم كتاب إذن؟ نحن أيضا كتابٌ للشعر نفسه، أندادكم في صناعة وتمثيل الدراما الأجمل التي لا يستطيع إنجازها على الوجه الأكمل إلا القانون الأصيل، هذا على الأقل ما نتمناه. لا تحسبوا إذن أننا سندعكم، ببساطة، تأتون إلينا وترفعوا لدينا منصاتكم ليظهر فوقها ممثلوكم ذوو الأصوات الجميلة التي تعلو على أصواتنا، لن ندعكم تخطبوا في الفتيان والنساء وكل الجمهور، وأن تقولوا عن المؤسسات نفسها، لا الأقوال نفسها التي نقولها نحن، بل غالبا، وفي القسم الأعظم من خطبكم، تقولون عكس ما نقول تماما. سنكون بالتأكيد مجانين كليةً إن سمحنا لكم، نحن أو أي مدينة أخرى، بفعل ما ذكرته قبل أن يقرر القضاة إن كان ما ألفتموه يُمكن أن يُنشر، ويستحق أو لا يستحق أن يُنتج علانيةً. إذن، يا أبناء ربات الفنون الجميلة، ابدأوا بعرض أغانيكم على القضاة بجانب أغانينا وإن بدا أن دروسكم تضاهي دروسنا أو كانت أحسن منها فسنمنحكم جوقة للإنشاد وإن لم يكن الأمر هكذا، فلن نستطيع يا أصدقائي، ذلك أبدا >>.[11]
  بعد تحليل مسهب للفقرة تستنتج ليتيسا موزأن الصراع الموجود هنا ليس بين التراجيدي والفيلسوف بل بينه وبين المشرِّع، لتخلص في الأخير إلى أن كتاب "القوانين" هو التراجيديا الأخيرة التي ألفها أفلاطون فهو بمثابة مَسْـرحةٍ تراجيدية للحياة البشرية الأفضل.[12]
ربما وقعت الكاتبة في المبالغة حين حصرت المواجهة هنا بين المشرع والتراجيدي، فبينما هي تركز على الصلة بينهما نسيت العلاقة بين المشرع والفيلسوف نفسه ولم تتطرق إليها في مقالها. والواقع أن المشرع هنا ليس سوى الوجه الآخر للفيلسوف، فهو مشرع مجازا وفيلسوف حقيقة لأنه لا زال يتحدث عن مدينة خيالية لا وجود لها!
لقد تحدثت الكاتبة عن القوانين الجديرة وحدها بوصف "البوليتيا"***حسب أفلاطون وهي القوانين التي تهدف إلى السلام عكس قوانين الأنظمة التقليدية الديموقراطية والأرستقراطية والملكية..الخ التي يضعها من هم في السلطة لتثبيت حكمهم مما ينتج حالة الحرب بين الحكام والمحكومين.[13] ألا يمكن أن نقول هنا: أن هذه القوانين الجديرة وحدها بصفة "البوليتيا" هي مجرد قوانين تخييلية حالمة طالما أنها تسعى لاستبعاد أي صراع ممكن؟ وأن هذا البعد التخييلي هو القاسم المشترك بين التراجيديا الأفلاطونية والتراجيديا الكلاسيكية؟ فماذا يبقى من المشرع إذن؟!
    أما علاقة محاوررات أفلاطون بالتراجيديا فليست اكتشافا إذ طالما أشار إليها الباحثون مثل إميل برهييه الذي يقول<< أنها تدخل بادئ ذي بدء في عداد الأدب التمثيلي >>[14] كما لاحظ أن عدة محاورات تتميز << بنفس درامي متصاعد وبأزمات ما تفتأ تتعقد وتتفاقم على منوال التمثيليات التي تقدم على خشبة المسرح >>. [15] أما "جون فرانسوا ماتييه" فيقول :<< ينبغي أنْ نُقر أنَّ جميع نصوص أفلاطون ، بما في ذلك (الدفاع عن سقراط) تساهم في المَسْرحة التشكيلية و الموسيقية للوجود.....فحيث كان سبينوزا وكانط وفتغنشتاين مهندسي الفلسفة فإن أفلاطون كان السينوغراف (مصور المشاهد)>>.[16]
  أما عن علاقة التراجيديا نفسها بالتشريع، فهي في واقع الأمر مسألة لم تنفرد بإبرازها ليتيسيا موزفالمسرح اليوناني كله كان مسخرا لنشر وتكريس قيم المدينة الديموقراطية كما لاحظ ذلك بعض الباحثين، <<فلم يكن من الصدفة أن يزدهر المسرح الإغريقي تحديدا في أثينا القرن الخامس في وقت كانت فيه مدينة بريكلس****Périclès تمارس هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية على مجموع العالم الإغريقي. المسرح حينها كان إحدى المآثر لهذا التألق الأثيني .....لقد كان مع المجلس النيابي والمحكمة أحد أعمدة السلوك السياسي للجماعة ، أحد الأمكنة الثلاثة التي تتعرف الجماعة فيها على نفسها بوصفها كذلك"[17] ، ومما يؤكد البعد السياسي للمسرح تدخل الدولة فيه حيث أنها كانت<< تنهض بأعباء مجموع الاحتفالات: حيث تختار الكتاب المقبولين للمنافسة ( أربعة كتاب تراجيديين يقدم كل منهم ثلاثية ودراما هجائية وخمسة كتاب كوميديين يقدم كل منهم مسرحية هزلية ) وتحدد [الدولة] لكل منهم راعيا يتكفل بمصاريف التحضير للمشهد المسرحي.....وتختار بواسطة القرعة أعضاء لجنة التحكيم التي تعين الفائزين، وتكافئ [أي الدولة] الممثلين والكتاب والموسيقيين، وتدفع أيضا ثمن التذاكر عن المواطنين الأشد فقرا >>.[18]
   لقد كانت التراجيديا إذن، ومنذ بدايات تألقها في المشهد المسرحي الإغريقي، مكفولة وموجهة من طرف الدولة أي من طرف المشرع الحقيقي والفعلي لا المشرع/الفيلسوف في محاورة "القوانين"، وكان الشاعر التراجيدي أداة فعلية في يد هذا المشرع، يخدم قيمه المدينية الديموقراطية ويتجانس طائعا أو مكرها مع بقية المؤسسات، وعلى هذا  فلم تكن محاورة "القوانين " انزياحا عن الواقع الإغريقي حين ربطت بين المشرع والشاعر التراجيدي بقدر ما كانت امتدادا لتقليد مكرّس، ولكنه في الوقت نفسه امتداد مضاد للمجرى السابق حيث أن مشروع أفلاطون السياسي/الفلسفي كان جمهورية بديلة عن الجمهورية الديموقراطية التي تسعى للحرب لا للسلام كما أسلفنا الإشارة إليه، وفي سبيل هذه الغاية وظف الفن التراجيدي، تماما مثلما وظفته الدولة اليونانية في سبيل غاياتها السياسية والتشريعية، وقد وظفه من خلال محاوراته نفسها التي بنيت على النمط الحواري المسرحي، فما قدمه أفلاطون هو مسرح فلسفي بديل عن المسرح التراجيدي، وبذلك يتجلى لنا بوضوح أن معركته الفعلية لم تكن مع الشعر بما هو شعر بل مع التراجيديا السائدة في عصره، أي مع الشعر التمثيلي أو المسرحي الذي يؤدَّى أمام جمهور من المتابعين ويشتمل على سرد وحوار، وليس الشعر حسب مفهومه السائد منذ عصر النهضة الأوروبية وما بعده أي الشعر الغنائي، فهذا النوع  يكاد يكون غائبا في الأدب الإغريقي مثلما أثبت ذلك بعض الدارسين المعاصرين ومن أبرزهم الفرنسي كلود كالام[19] الذي لاحظ أنه رغم تعود المؤرخين على تقسيم عصور الأدب الإغريقي إلى ثلاثةٍ هي العصر الملحمي الهوميري ثم العصر الغنائي وأخيرا العصر التراجيدي، وتقسيم الأنواع الأدبية إلى ثالوث تم تقنينه، ويشمل النوع الغنائي والنوع الملحمي والنوع التراجيدي، ورغم أن المصادر تشير إلى وجود شعر غنائي في اليونان القديمة بوصفه أغنية يلقيها فرد هو الشاعر نفسه وتصحبه في أدائه أنغام القيثارة، إلا أن بعض الدراسات التي استأنس بها كالام أثبتت له أن الكلمة Lyrique التي تعني الغنائي و المشتقة من الربابة Lyre تعود للعهد الإسكندري المتأخر حيث أحصت "الأنطولوجيا البالاتينية الإغريقية"*****، المؤلفة آنذاك، تسعة شعراء عُرفوا بتأليف قصائد غُنيت بمصاحبة الربابة هم " ألكمان وسافو وألكايوس وستسيخوروس وأناكريون وإيبيكوس وسيمونيديس (من كيوس) وبنداروس وباكخيليدس"، ولكن الأنطولوجيا لم تشر إلى تلك القصائد بوصفها نوعا شعريا محددا  بل هي فقط تنشد بمصاحبة موسيقى الربابة، كما أن بعض هؤلاء الشعراء قد عرف عنهم تأليف قصائد أخرى ليست من النوع الغنائي بل تتنوع من النشيد إلى قصائد الطواف إلى القصائد التي تقال في مدح الأبطال الرياضيين (L’épinicie) أو التي تقال في تمجيد الآلهة...الخ، وبعضها كانت تنشد بمصاحبة الناي مما دفع بالمؤلفين الإسكندريين للأنطولوجيا إلى التخلي عن  تصنيف بعض الشعراء على أساس النوع الذي تنتمي إليه قصائدهم واعتماد تقسيمٍ أساسه الوزن الشعري.[20]
  وسواء أسلَّمنا مع كلود كالام بأن الشعر الغنائي غير موجود تقريبا، أم مع غيره مثل أحمد عثمان[21] أو محمد صقر خفاجة[22] بأنه موجود، أو حتى مع أفلاطون نفسه بوجود هذا الشعر حيث يسميه ضمن الأنواع الأخرى في الجمهورية حين يقول على لسان سقراط:" يجب أن يمثل الإله دائما كما هو، أيا كان نوع الشعر، أعني سواء أكان شعرا غنائيا أم شعرا ملحميا أم شعرا مسرحيا"[23]فإن هذا لا يغير حقيقة أن أفلاطون لم يكن ضد هذا النوع من الشعر على افتراض وجوده وشيوعه، بل توحي العبارة السابقة المقتبسة منه بأنه يقصد نوعا آخر من الشعر التمثيلي الذي يصور الآلهة، فأفلاطون كان ينتقد فنا سرديا حواريا جماهيريا هو التراجيديا التي كانت تؤدى أمام جمهور أثيني من كل الأعمار والطبقات. فهو في الواقع لا ينقد هوميروس وهزيود وغيرهما بوصفهم شعراء بالمعنى الذي نفهمه اليوم لكلمة "شعراء" بل بوصفهم<< أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعا بين الناس>>[24]، ولفظتا "القصص" و"الأقاصيص" لا الشعر هي التي توصف بها أعمال كبار التراجيديين وذلك حسب ترجمة فؤاد زكريا، وهي هكذا في أشهر ترجمات الجمهورية إلى بعض اللغات الحية، ففي الفرنسية يترجمها كل من روبار باكو وإميل شامبري ب: récits أي قصص أو Fables أي حكايات خرافية ، وفي الإنجليزية يترجمها جويت وشوري ب:stories أي قصص أو tales أي حكايات وينفرد شوريبإضافة Fables، أما لارسن فيترجمها دائما بStoriesوفي النسختين الإسبانيتين من الجمهورية لكل من كونرادو إيغرس لان، وماريسا ديفينوسمع كلاوديا ماريسكو تترجم ب relatos أي قصص  وتترجم كذلك ب Mitos  أي أساطير.[25]
   نخلص مما سبق إلى تأكيد استنتاجنا السابق وهو أن موضوع نقد أفلاطون ليس الشعر بما هو شعر، أي الشعر كما نفهمه ونتلقاه اليوم، وكما تكرس في الذوق العام والوعي النقدي منذ عصر النهضة في أوروبا بالنسبة للغربيين، ومنذ بداياته الأولى بالنسبة للمتلقي العربي ( فلم يعرف العرب الشعر التمثيلي، ولا فنون المسرح إلا في العصر الحديث ) بل موضوع نقده هو التراجيديا (أو القصص الكاذب) بوصفها فنا سرديا أدائيا يتوجه إلى جمهور عريض من المشاهدين والمستمعين، وهذا يفضي بنا إلى نتيجة مهمة جدا، وهي أن الشعراء ليسوا هم المعنيين بحكم الطرد الشهير من الجمهورية كما استقر ذلك في وهم أغلبية المثقفين بل إن المعنيين بهذا الحكم هم كتاب التراجيديا بوصفها فنا قصصيا، و فنا أدائيا يتوجه إلى جمهور مشاهد و مستمع للممثلين على خشبة المسرح، وما يتقاطع مع الفن التراجيدي الإغريقي في ثقافتنا المعاصرة هو السرد بنوعيه الأدبي و السينمائي، ومظنة هذا التقاطع  بينهما وبين التراجيديا الإغريقية أمران:
أ‌-                 كل منهما يمتلك قدرة على تشكيل الوعي وتربية "أطفال المدينة"ورجالها المستقبليين، فكلاهما يقدمانحبكة سردية "مقروءة أو مشاهدة" تسكن في طبقاتها العميقة رسائل سياسية أو أخلاقية ذات تأثير لا جدال فيه على المتلقين.
ب‌-             كما أن كلا منهما يمتلك جمهورا عريضا عكس الشعر!
  وما سبق يقتضي منا تحيين موقف أفلاطون من التراجيديا وربطه بالراهن الثقافي، وفي سبيل هذه الغاية سنتناول ذلك الموقف عبر محورين أساسيين هما النظرية السردية المعاصرة، والسرد السينمائي.
  أفلاطون والنظرية السردية المعاصرة: لقد تم تناول نظرية المحاكاة أو "الميميزيس"، كما صاغها أفلاطون وطورها من بعده أرسطو، بوصفها الحلقة الأولى في تطور النظرية السردية، وملخص نظرية أفلاطون كما تظهر من خلال الحوار بين "سقراط" و"أديمانتوس" في الكتاب الثالث من "الجمهورية" أن كل الأساطير والأشعار ليست إلا سردا لأحداث وقعت في الماضي، أو تقع في الحاضر، أو ستقع في المستقبل ..والسرد قد يكون مجرد سرد، أو تصوير وتمثيل، أو كليهما معا .. فحديث الشاعر يكون سردا حين يقص الحوادث من آن لآخر ، أو حين يصف ما يتخللها من وقائع ..أما حين يتكلم بلسان شخص آخر، فإنه يتشبه بتلك الشخصية التي يقدمها إلينا على أنها هي المتحدثة ، وهذا التشبه بغيره سواء في الكلام أو في الحركات هو محاكاة، فهوميروس وبقية الشعراء يلجؤون إلى المحاكاة فيما يروونه ..أما إذا كان الشاعر لا يخفي ذاته مطلقا لما كان للمحاكاة في أشعاره أي نصيب ولاقتصر كل شعره على السرد البحت....كما أن هناك نوعا آخر للسرد على عكس النوع الأول فيه يحذف الشاعر الكلام الذي يفصل بين الحوار، فلا يتبقى إلا الحوار ذاته فقط وتلك هي صورة المأساة الشعرية "التراجيديا"[26].
  من الواضح هنا أن أفلاطون يفرق، على لسان سقراط، بين نمطين هما السرد الخالص الذي يكون حين يروي الشاعر التراجيدي الأحداث أو يلخص الأقوال، والمحاكاة التي تكون برواية أقوال الشخصيات على لسانها كما هو السائد في الفن المسرحي التراجيدي.
   لقد توقف المشتغلون بالنظرية السردية المعاصرة عند هذا المقطع الحواري من "الجمهورية" وناقشوه بعمق ومنهم "جيرار جينيت" في مقاله الموسوم ب"حدود السرد" [27]، حيث قارن بين مفهومي المحاكاة عند كل من أرسطو وأفلاطون، فبينما عدّ أرسطو السرد الخالص أو الدييجيزيس(diègèsis) أحد صيغتي المحاكاة الشعرية، والصيغة الأخرى هي التقديم المباشر للأحداث بواسطة ممثلين متكلمين وفاعلين أمام الجمهور، فإن أفلاطون الذي كان الأسبق إلى هذا التفريق بين الصيغتين نفى، على لسان سقراط، صفة المحاكاة عن السرد، فبالنسبة لأرسطو كل "الشعر" محاكاة  فهو يفرق، فحسب، بين صيغتين من صيغ المحاكاة: الصيغة المباشرة وهي التي يخصها أفلاطون بوصف المحاكاة، والصيغة المرْويَّة narratif  التي يسميها مثل أفلاطون السرد الخالص  (diègèsis). [28]ويخلص "جينيت" إلى أن أفلاطون وأرسطو متفقان في الواقع ومختلفان في القيم فهما يتفقان على التعارض بين الدرامي(أي الحواري)، والمروي، فكلاهما يعدان الأول أشد محاكاة من الثاني.  لكن أفلاطون يدين الشعراء بوصفهم محاكين...ولا يستثني هوميروس، بينما يضع أرسطو التراجيديا في مرتبة أعلى من مرتبة الملحمة ويمتدح لدى هوميروس كل ما يُقَرب كتابته من القول الدرامي [29] (أي الحوار).
ويلاحظ "جينيت"، مستشهدا بعشرة أبيات من إلياذة هوميروس نصفها الأول سرد ونصفها الآخر حوار، أن أفلاطون وأرسطو أغفلا ملاحظة تعيد للسرد كل قيمته "فالمحاكاة التامة بوصفها عرضا على المسرح تقوم على حركات وأفعال، وبوصفها قائمة على حركات فإنها تستطيع، طبعا، أن تمثل أفعالا، لكنها تفلت هنا من المستوى اللغوي الذي يُمارَس، من خلاله، النشاط المميز للشاعر، أما بوصفها عرضا للأقوال (أي الخطابات على ألسنة الشخصيات) فهي ليست، بالتحديد، تمثيلية، لأنها تقتصر على إعادة إنتاج الخطاب الواقعي أو الخيالي بحرفيته.......فإذا سمينا محاكاةً شعرية تمثيلَ واقع غير لفظي بوسائل لفظية، واستثناءً، واقعا لفظيا (بوسائل لفظية)****** فينبغي أن نقر بأن المحاكاة موجودة في أبيات هوميروس الخمسة المروية لا في أبياته الخمسة الدرامية، فهذه الأخيرة مجرَّد ٌإقحام، داخل نص يمثل الأحداث، لنص مستعار من الأحداث نفسها كما لو أن رساما هولنديا في القرن السابع عشر .....وضع في وسط لوحة تمثل طبيعة ميتة، لا صورة محارة، بل محارة حقيقية "[30] وهذا المثال الذي يورده جينيت هنا يوضح فعلا نظريته. فالرسام حين يقتطع من الواقع المحارة ويقحمها في لوحة مرسومة يشبه السارد حين يقحم مقطعا حواريا مأخوذا من الواقع (التاريخي الحقيقي أو المتخيل) في عمل سردي، وهو حين يقحم الحوار لا يحاكي الواقع بل ينقله كما هو، ومن هنا يصل جينيت إلى نتيجة غير منتظرة كما سماها وهي أن الصيغة الوحيدة التي يعرفها الأدب بوصفه تمثيلا (أي محاكاة) هي السرد أي المعادل اللفظي لأحداث غير لفظية، وكذلك المعادل اللفظي لأحداث لفظية أي الحوار (بشرط أن يكون الخطاب الحواري هنا ملخصا وهو ما يؤكد عليه جينيت مستشهدا بأفلاطون).
وهكذا تصبح المحاكاة هي نقيض ما تصوره أفلاطون في رأي "جينيت" فالسارد يحاكي الواقع حين يحاول تمثيله بواسطة اللغة وهنا يضطر لانتقاء عناصر من القصة وإهمال أخرى، كما يختار من بين "وجهات النظر" المتاحة...الخ. أي أن السرد هو نفسه المحاكاة لا الحوار.[31]
  المُلاحظ على نقد جينيت لأفلاطون وسعيه الجادّ في قلب نظريته أمران:
الأول: أنه – وهو أحد أهم أقطاب النظرية السردية المعاصرة-قد فهم أفلاطون بوصفه منظرا للسرد وليس للشعر وهذا تأكيد آخر لطرحنا السابق: فما قدمه أفلاطون لا علاقة له مطلقا بالشعر الخالص.
 الثاني: أن جينيت نفسه حين قلب مفهوم المحاكاة عند أفلاطون، فعَدَّ الدراما (أي الحوار المسرحي) خارج المحاكاة وقصر مفهومها على السرد والحوار المُلخص، أغفل أمرا هاما وهو أن أفلاطون لم يكن يتحدث عن التراجيديا بوصفها نصا فالمحاكاة التي تحدث عنها هي ما كان يقدمه الممثلون على المسرح لا ما كان يقدمه الشعراء في نصوصهم، وحين كان الممثلون يتحدثون على ألسنة الشخصيات فهم بالتأكيد كانوا يحاكون تلك الشخصيات تماما في نظر المشاهدين أي "يتقمصونها" باللغة الشائعة اليوم! فلم يكن يعنيه من نص هوميروس إلا قدرته الهائلة على توجيه الجمهور والتأثير فيه وذلك كان يتحقق من خلال الأداء التمثيلي حصرا، لكن جينيت لا يتحدث عن الدراما والأداء التمثيلي بقدر ما يقصر حديثه على النص، بينما لم يكن أفلاطون منشغلا بمثل هذا التنظير النصي، ولهذا السبب نفسه لم يكن يعنيه مطلقا ملاحظة الفرق بين السرد والوصف وقد أشار جينيت إشارة عابرة إلى غياب هذا التفريق بينهما عند كل من أرسطو وأفلاطون.[32]
لكن هذا لا ينفي أهمية ما قدمه أفلاطون للنظرية السردية في خضم انشغاله بتشييد جمهوريته النظرية، ووضع قواعده التربوية والتشريعية الصارمة، كما لا ينفي أهمية ما قدمه للنظرية الدرامية المعاصرة، والفنون الأدائية ذات الجمهور الواسع.
أفلاطون والسرد السينمائي: حين نتحدث عن الفنون الأدائية المعاصرة - وعلى رأسها السينما بدون منازع- ينبغي أن ننوه بالصلة الوثيقة بينها وبين التراجيديا الإغريقية ، فالسينما ذات طابع سردي حواري وثمة دراسات معاصرة، يضيق المقام هنا عن استقصاء مضامينها، أثبتت الصلة الوثيقة بين السينما والسرد والمسرح أيضا بالطبع ، مثل دراسة جان كليدر[33]، و جاك رانسيار[34]، و دراسات رائد السيميولوجيا السينمائية كريستيان متز[35].
والمتصفح للمصطلح السينمائي النظري يدرك حجم التداخل بينه وبين مصطلحات السرديات والسيميائيات الحديثة فمن ذلك المشترك الاصطلاحي، كما يبينه القاموس الذي أعدته ماري تيريز جورنو: الدلالة الإيحائية، التفكيك، الدلالة الحافة، السرد، الخطاب، جمالية التلقي، العبر نصية...الخ[36].
إن ما تبينه هذه الدراسات المنوَّه بها، وأمثالها، أن الصلة بين السينما والسرد ليست محل جدل في الإستيطيقا المعاصرة فالسينما مدينةٌ للأدب وهي في مطلق الأحوال لا تستغني عن النص السردي التخييلي فهو أصلها الأول سواء أكان رواية تم تحويلها لسيناريو أم كان السيناريو نفسه أصليا ولم يؤخذ عن رواية أو قصة أو مسرحية، لكن السينما تنفرد بالصورة المتحركة، وهي، وإن كانت تتقاطع مع التراجيديا الإغريقية في ذلك، إلا أن مجال الحركة فيها أوسع بكثير لاتساع المكان، لكن أكبر ميزة للسينما هي جمهورها، لقد سرقت السينما من المسرح والأدب المكتوب كثيرا من جمهورهما، فعدد من شاهدوا الأفلام المقتبسة عن روايات أو مسرحيات أكبر بكثير من عدد الذين قرأوا تلك الروايات أو المسرحيات نفسها، فلا يمكن أن يكون من قرأوا مسرحيات شكسبير أو شاهدوها على خشبة المسرح إلا فئة قليلة قياسا على من شاهدوا الأفلام المقتبسةعن مسرحياته، والأمر نفسه يصدق، مثلا، على عن قرأوا روايات نجيب محفوظ قياسا على من شاهدوا الأفلام المقتبسة عن رواياته، وهذه الملاحظات السابقة تقودنا إلى استنتاج أن السينما، هي الوريثة الفعلية للتراجيديا الإغريقية في المجتمع المعاصر، أو فلنقل بعبارة أخرى أن "القصص الكاذب" في السينما هو البديل عن القصص الكاذب في تراجيديات هوميروس وغيره، أي أنه الذريعة الملائمة لتحيين موقف أفلاطون بإسقاط نقده للتراجيديا الإغريقية على الفيلم السينمائي.
في مثل هذا السياق التحييني استعاد بعض النقاد السينمائيين موقف أفلاطون من الشعر التراجيدي بوصفه موقفا من الطبيعتين الانفعالية و"المحاكاتية" للسينما نفسها ومنهم جون إبستاين حيث يُبرز طبيعة الفيلم التي تجعله قريبا من الحلم أو حلم اليقظة على حد وصفه، وبالتالي فالفيلم حسب إبستتاين يستطيع أن يُثْري ويحرِّك الذاكرة والتخيل البصريين للمشاهدين دون حاجة إلى الوسيط اللغوي، ولهذا فهو يبدو بتركيبته "ناقلا للشعر". ومما يُسهِّل انتشار عدوى "الشعر السينمائي" ظلام الصالات السينمائية والسكون الاضطراري للمشاهدين، واستبعاد كل ما من شأنه تحريك الأحاسيس إلا ما يأتي من الفيلم مما يضع المشاهد في حالة قطيعةٍ مع الحوادث الخارجية، وتعليقٍ لكل نشاط سطحي، وهذه هي شروط حلم اليقظة... وإن كان كاتب القصيدة والقارئ أو المشاهد أو المستمع لها مضطرين للانفصال ذهنيا عن الواقع ونسيان"روتين" الحياة...فإن مشاهد السينمالا شيء يمكنه أن يلهيه عن مركز اهتمامه: الشاشة، حيث يُمْنح مع الشعرِ التنويمَ المغناطيسي.[37]ولأن السينما ذات طبيعة شعرية فأفلاطون << الذي نفى الشعراء من مدينته الشمولية كان حريا بمنع السينما..... أليس (الشعر) خطرا على النظام العام الذي يحرِّم الإشباع الخيالي للرغبات الأكثر حميمية، والتي لا تتلاءم مع معايير الدولة؟ >>.[38]
يبدو استدعاء إبستاين لموقف أفلاطون هنا امتدادا لبعض المواقف التقليدية التي رأت في موقفه من التراجيديا موقفا من الشعر الخالص، فما يتحدث عنه إبستاين هنا ليس الشعر التراجيدي ولكنه الشعر الذاتي، الحميمي، وإن كان أخطأ، ربما، في استكناه "الشعر" الذي قصده أفلاطون، فإنه أصاب في وصف التماثل بين الطبيعتين الانفعاليتين لأثر كل من السينما و "الشعر" على المشاهد
وهو ما نقده أفلاطون وامتدحه إبستاين.
 لكننا نشعر بأن رؤية إبستاين مثالية حالمة–أو كما يقول عنها جاك رانسيار في سياق مغاير- << تنتمي إلى زمن خارج زمننا>>[39] ، فالسينما اليوم لا شك أنها ابتعدت كثيرا عن الشعر.
وبعيدا عن مثل هذا الجنوح الحالم يرى إيمانويل بارو أن السينما لا تجعل الصورة انعكاسا للفكرة وخاضعة لها كما طالب بذلك أفلاطون، بل إنها لا أفلاطونية ترفض شفافية الواقع والصور معا، وهذه اللاأفلاطونية هي الاسم الآخر للجوهر الديموقراطي للسينما: فلا الشكل ولا المضمون معطيان (محددان سلفا) فمن المستحيل، من حيث المبدأ، تحديد نظام اشتغالهما داخل الفيلم.[40]
لكن هذه القراءة السياسية لموقف أفلاطون تتجاهل الطبيعة النمطية للسينما وهيمنة موضوعات محددة ومكررة عليها، كما أنها تبسيط مخل لموقف أفلاطون، فهو كما أسلفنا مرارا لم يكن مشغولا بالهم الأنطولوجي أي علاقة الصورة بالحقيقة الغيبية المثالية بقدر انهمامه بالمشروع التربوي السياسي للمدينة.
وفي سياق مشابه تحلل فلورنس برنار دوكورفيل موقف أفلاطون من المحاكاة بلهجة تستبطن نقدا، لا للبرهنة الأفلاطونية، بل للموقف نفسه ولهذا ابتعدت ربما عن فهم حقيقة المحاكاة في تصور أفلاطون، فهي تركز على إبراز الموقف الأفلاطوني بوصفه رفضا لمنطق المشابهة، للمزدوج أو المنشطر عن الأصل بواسطة فعل المحاكاة، فهذه الأخيرة تلوث الأصل وتحتله وتجعله متعددا، ثانويا...لقد امتدح أفلاطون-حسب ما تقوله دوكورفيل- "المزدوج" بدءًا ليطعن فيه تاليًا بوصفه فنَّ الرسامين و الشعراء الذين لا يفعلون شيئا سوى الخداع و تحويل الأنظار عن الحقيقة والمعرفة.[41]
 الملاحظ على الناقدة أنها لا تستقصي مسار البرهنة الأفلاطونية إلى نهايتها، فهذا المسار يفضي، كما لاحظنا سابقا، إلى رفض المحاكاة في التراجيديا، لا لصلتها الشائهة بالحقيقة تحديدا كما تلح عليه دوكورفيل، بل لتأثيرها على أخلاق المشاهدين وتأجيج انفعالاتهم السلبية، كما أنها حين تقحم الرسامين مع الشعراء تنسى أن أفلاطون لم يذكر الرسامين إلا من باب ضرب المثل وتقريب المعنى وإلا فلماذا لم يطرد صاحب الجمهورية، مع الشعراءِ، الرسامينَ والنحاتينَ وهم أيضا "متهمون" بالمحاكاة؟!
الخاتمة: لقد توصلنا من خلال هذا البحث إلى جملة من النتائج ربما كانت سبْقا وتجاوزا لنمط التناول السائد لموقف أفلاطون من "الشعر"، ونوجز أهمها فيما يأتي:
1- لم ينتقد أفلاطون الشعر الخالص، بل انتقد التراجيديا بوصفها فنا سرديا أدائيا جماهيريا، فالشعر الخالص أي الغنائي نوع يكاد يكون مفقودا ضمن الأنواع الأدبية الإغريقية، كما أنه غائب تماما عن الأفق الفلسفي الأفلاطوني. ولهذا فحكم الطرد الشهير من الجمهورية لم يكن يعني الشعراء بل الكتاب التراجيديين.
2- لقد قدم أفلاطون مسرحيا فلسفيا بديلا عن المسرح التراجيدي، فمحاوراته نمط من الأدب التمثيلي.
3- موقف أفلاطون من المحاكاة ليس موقفا انطولوجيا خالصا، أو موقفا استيطيقيا، بقدر ما هو موقف تربوي.
4- تحيين موقف أفلاطون هو مبرر استعادة موقفه من التراجيديا و قد تم ذلك التحيين بوصفه منظرا للسرد بنوعيه الأدبي والسينمائي وهذان النوعان المعاصران من السرد هما اللذان يتقاطعان مع التراجيديا الإغريقية.
الهوامش :



* من الدراسات الصادرة في الألفية الجديدة و التي تناولت موقف أفلاطون من الشعر و الفنون (تمثيلا لا حصرا): عيد الدحيات ، النظرية النقدية الغربية  من أفلاطون إلى بوكاشيو ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت . ط1 ،2007 . فؤاد المرعي ، نظرية الشعر في النقد الأوربي القديم : أفلاطون-أرسطو-هوراس-لونجينوس  دار المركز الثقافي للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق، 2007 ، سمير اليوسف ، حكاية أفلاطون والشعراء ، مجلة نزوى العمانية ، عدد 26 ، أبريل 2001.
Létitia Mouze,Le Législateur et le poète: Une interprétation des Lois de Platon,Presses Universitaires Septentrion, 2005-Fulcran Teisserenc:Langage et image dans l'oeuvre de Platon Vrin,paris, 2010- Zdravko Planinc, Plato Through Homer. Poetry and Philosophy in the Cosmological Dialogues,University of Missouri Press, 2003.
[1] Jean-François Mattéi, L'inspiration de la poésie et de la philosophie chez Platon, Noesis, 4 , 2000,p77
[2] ibid, p 78
[3] Alain Badiou, Maria Kakogianni, Entretien platonicien, Éditions Lignes, 2015, p11.
بتصرف يسير
[4] ينظر :
Daniel Acke :Yves Bonnefoy, essayiste: modernité et présence ,Rodopi,Amesterdam -Atlanta GA, 1999 ,pp 24-25.
Agnès Minazzoli: Un rêve pour Piero.in Murielle Gagnebin(Ed):Yves Bonnefoy, lumière et nuit des images,Editions Champ Vallon, 2005, pp 194-195.
و ينظر نص "ضد أفلاطون" بالعربية ضمن:إيف بونفوا ،  الأعمال الشعرية الكاملة ، ترجمة أدونيس ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق ، 1986 ، ص ص 31-39.
**Mousikè و لا يعني الموسيقى تحديدا بل سائر الفنون.
Claude Obadia,Les Beautés de Platon,Le Philosophoire,Vrin,2013/1 n 39,p 235[5]
[6] Arnaud Macé,Que l’art ne peut pas tout pour la cité : la dissonance de l’art, du spectateur et de l’acteur selon Platon ,Cahiers du Centre Gustave Glotz, Vol. 18 ,N 1,2007,p 306.
[7]  جمهورية أفلاطون، ترجمةودراسة فؤادزكريا، دار الوفاء، الاسكندرية،2004، ص ص237-246.
[8]الجمهورية، سبق ذكره، ص ص 505-519
Létitia Mouze, Le Législateur et le poète, op cit, pp 22-27[9]
[10]Ibid, pp 9-10
[11] Létitia Mouze, La dernière tragédie de Platon, Revue de Philosophie Ancienne, Vol.16, No. 2, 1998, pp 79-80.
وترجمة محمد حسن ظاظا عن الترجمة الانجليزية " الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986، ص ص 359-360 لا تخلو من إبهام واضطراب لهذا فضلنا ترجمة الفقرة عن الكاتبة التي تترجم عن الأصل اليوناني مباشرة.
[12] Ibid, pp 98-101
*** "البوليتيا" هو عنوان محاورة الجمهورية باللغة اليونانية.
[13] Ibid , p 86
[14]  إميل برهييه ، تاريخ الفلسفة ، ج1 ، الفلسفة اليونانية ، تر، جورج طرابيشي، ط 2، دار الطليعة بيروت ، 1987 ، ص 135
[15]  المرجع نفسه ، ص 138
[16] Jean-François Mattéi, L'inspiration de la poésie et de la philosophie chez Platon , p 77
**** بريكلس الذي تنسب إليه أثينا انتخبه الأثينيون سنة 461 قبل الميلاد لمنصب يشبه منصب الوزير الأول و قد كرس الديموقراطية و دعم مؤسساتها ، ينظر موقع هيرودوت "بالفرنسية" .الرابط:
تم التصفح بتاريخ 18-12-2017
[17]Sylvie Humbert-Mougin , L’Antiquité: Naissance et affirmation d’un concept de théâtre, in:Didier Souiller et autres, Etudes thétrales, Quadrige/Puf , Paris,1ere édition, 2005, p7
[18]Ibid, p8 وما بين معقوفين في متن الشاهد لرفع الالتباس
[19]Claude Calame ,La poésie lyrique grecque, un genre inexistant?in: Littérature,Armand Colin, No. 111,Octobre 1998
***** الأنطولوجيا البالاتينية أو الأنطولوجيا الإغريقية هي في الواقع ليست واحدة و لكنها عدة أنطولوجيات أي مختارات شعرية  و قد بدأها الشاعر الإغريقي ميلياغر Méléagre حوالي القرن الأول قبل الميلاد و ضمَّنها بالإضافة إلى مختاراته من أشعار غيره ، كثيرا من أشعاره هو.، وظلت هذه الأنطولوجيا تتعرض للتنقيح بالحذف و الزيادة حتى القرن الرابع عشر و كان آخر من أعمل يده فيها هو الكاهن بلانودPlanude ،  و في سنة 1767 خرجت الانطولوجيا للعلن محققة على يد العلامة برنك Brunck  و قد حققها بناء على نسخة قسطنطين سيفالاس Constantin Céphalas التي تعود للقرن العاشر الميلادي. يُنظر:
Charles Des Guerrois , Etude sur L'anthologie Grecque,TROYES ,1896 , p 9
[20]Claude Calame ,op cit , pp 87-88.voir aussi: Sophie Klimis , Le lyrique dans la tragédie grecque , in , Antonio Rodriguez et André Wyss(eds),Le chant et l’écrit lyrique ,Peter Lang , Bern,2009 , 197-198
وينظر أيضا أحمد عثمان: الأدب الإغريقي تراثا إنسانيا وعالميا، ط3،القاهرة،2001، ص ص 109-110 واستفدنا منه خاصة في ذكر أسماء الشعراء الغنائيين التسعة أي ألكمان والآخرين.
[21] أحمد عثمان، المرجع والصفحات نفسها.
[22]  محمد صقر خفاجة، تاريخ الأدب اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، 1956، ص ص 65 -88
[23] جمهورية أفلاطون، سبق ذكره، ص 239
[24] المرجع نفسه، ص 237،وتسويد العبارة من عملنا.
[25] ينظر: فؤاد زكريا، جمهوريةأفلاطون، سبق ذكره، ص ص 237-239
Platon, La république. Traduit par Robert Baccou .Librairie Garnier frères.Paris. 1936, pp 68-70
Platon, La république livre II-III, Traduit par Emile Chambry , Les Belles Lettres , paris , 1932 , pp 81-82
The Dialogues of Plato ,Vol III, translated by B.Jowett, M.A, Oxford 1931, pp 60-61
Plato ,The Republic,Translation by Paul Shorey ,Books I—V,Cambridge ,Harvard, 1937 , pp -179-183
PLATO ,The Republic,Translated By Raymond Larson ,Harlan Davidson,Inc.1979,pp 49-50
Platon, Republica, Traduccion de Marisa Divenosa y Claudia Marisco,1e ed, Buenos Aires,Losada,2005,pp 198-201
Platon – Dialogos IV – La Republica,Traduccion por Conrado Eggers Lan , Editorial Gredos, Madrid,reimpresion 1988, pp 137-138
[26] أفلاطون ، الجمهورية ، سبق ذكره ، ص ص 255-257 بإيجاز ، و بتصرف يسير.
[27]Genette Gérard. Frontières du récit. In: Communications, 8, 1966. Recherches sémiologiques : l'analyse structurale du récit. pp. 152-163    
والمقال مترجم إلى العربية بعنوان"حدود السرد" من طرف بنعيسى بوحمالة ضمن كتاب طرائق تحليل السرد الأدبي، منشورات إتحاد كتاب المغرب، ط1، الرباط 1992.
[28]Genette Gérard. Frontières du récit , pp  152-153
[29]Ibid , p 154
****** ليس من كلام جينيت بل هو للإيضاح.
[30]Ibid, p 154-155
[31]Ibid, pp 155-156
[32]Ibid, p156
[33]Jean Cléder,Entre littérature et cinéma ,Armand Colin,2012
[34] Jacques Rancière,La Fable cinématographique,Éditions du Seuil,2001
[35] Christian Metz, Langage et Cinéma,Éditions Albatros,1977
[36]Marie-Thérèse Journot ,Le Vocabulaire du Cinéma,Armond Colin,2006 voir: Connotation p26 déconstruction p31dénotation pp 32-33 diégése p34 discours p35 Esthétique de la réception p46 transtextualité p 119 etc....        
[37]Jean Epstein écrits sur le cinéma,tome 2 , Éditions Seghers, Paris,1975, pp 54-55
بتصرف و إيجاز
[38]Ibid, p55
[39]Jacques Rancière,La Fable cinématographique,op cit, p 9
[40] Emmanuel Barot,Camera Politica.Dialectique du réalisme
dans le cinéma politique et militant,Vrin,Paris,2009, P 123
[41] Florence Bernard de Courville,Le Double Cinématographique, Mimèsis et cinéma,L’Harmattan,Paris, 2011, pp 17-18